فن الخزف: تاريخه والتقنيات المستخدمة به

يُعتبر فن الخزف (Ceramic art) من أقدم الفنون الحرفية التي عرفتها البشرية. ببساطة، هو فن تشكيل المواد (وأشهرها الطين) لإنتاج أشكال متنوعة (مثل الأواني والمنحوتات)، ثم تعريضها لدرجات حرارة عالية في فرن لتصبح مادة صلبة ودائمة.

يمتد تاريخ هذا الفن لآلاف السنين، وظهر في ثقافات عالمية متنوعة كالحضارة الصينية، واليونانية، والفارسية، والمصرية القديمة، وحضارات بلاد الرافدين.

ما الفرق بين الخزف والفخار؟ غالباً ما يُستخدم المصطلحان بالتبادل. “الخزف” (Ceramic) هو المصطلح الأوسع الذي يشمل كل شيء مصنوع من الطين والمُعالَج بالحرارة. “الفخار” (Pottery) هو نوع من الخزف، وغالباً ما يشير إلى الأواني والأوعية بشكل خاص.

يستخدم فنانو الخزف مجموعة واسعة من المواد، لكن المادة الأساسية هي الطين. تُضاف مواد أخرى لتغيير الخصائص (مثل المتانة، اللون، ومقاومة الحرارة):

  • الطين (Clay): المادة الأساسية. يُخلط بالماء ليصبح عجينة مرنة سهلة التشكيل.
  • السيليكا (Silica): (الرمل) مكون طبيعي يوجد في معظم أنواع الطين والزجاج.
  • الكاولين (Kaolin): نوع من الطين الأبيض النقي جداً، وهو المكون الرئيسي لصناعة البورسلين.
  • رماد العظام (Bone Ash): يُضاف إلى طين الكاولين لإنتاج الخزف الصيني (Bone China)، مما يمنحه شفافية وقوة مميزة.
  • المواد المضافة (Carbides): مثل كربيد السيليكون، وتُستخدم في الخزف الهندسي والصناعي لجعله مقاوماً للحرارة والتآكل الشديد.

بمجرد تجهيز الطين، يتم تشكيله باستخدام إحدى هذه التقنيات الرئيسية:

1. البناء اليدوي (Hand-Building)

وهي أقدم الطرق ولا تتطلب أي آلات، وتشمل:

  • التشكيل بالضغط (Pinching): ضغط الطين بالأصابع لتشكيل أوعية بسيطة.
  • البناء باللفائف (Coiling): بناء الجدران عن طريق وضع طبقات من لفائف الطين الناعم فوق بعضها البعض (شائعة في خزف جومون الياباني القديم).
  • البناء بالألواح (Slab Building): تقطيع الطين إلى ألواح مسطحة وتجميعها لبناء أشكال هندسية (مثل الصناديق أو البلاط).

2. عجلة الخزاف (Potter’s Wheel)

وهي التقنية التي أحدثت ثورة في صناعة الفخار (اختُرعت في بلاد ما بين النهرين حوالي 3500 ق.م).

  • تعتمد على وضع كتلة من الطين في مركز عجلة دوارة.
  • يستخدم الخزاف يديه لتشكيل الطين أثناء دورانه بفعل قوة الطرد المركزي.
  • تتيح هذه التقنية إنتاج أوعية متناسقة ودقيقة ورقيقة الجدران بسرعة أكبر.

بعد تشكيل الطين وحرقه، تختلف النتيجة النهائية بناءً على نوع الطين ودرجة حرارة الحرق. الأنواع الرئيسية هي:

  1. الفخار (Earthenware):
    • يُحرق في درجات حرارة منخفضة نسبياً.
    • يتميز بأنه مسامي (يسمح بمرور الماء إذا لم يتم طلاؤه) وذو ملمس خشن.
    • “التراكوتا” (Terracotta) أو الطين المحروق الأحمر هو أشهر أنواعه.
  2. الخزف الحجري (Stoneware):
    • يُحرق في درجات حرارة عالية جداً.
    • يصبح الطين صلباً جداً وغير مسامي (حتى بدون طلاء).
    • يُستخدم بكثرة في أواني الطهي وأدوات المائدة المتينة.
  3. خزف البورسلين (Porcelain):
    • يُصنع من طين الكاولين النقي ويُحرق في أعلى درجات الحرارة.
    • يتميز بلونه الأبيض الناصع، وشفافيته (عندما يكون رقيقاً)، وصلابته الشديدة.
    • يُستخدم في صناعة أدوات المائدة الفاخرة، والمنحوتات الزخرفية، وحتى بلاط الحمامات عالي الجودة.
  4. الخزف الصيني (Bone China):
    • هو نوع خاص من البورسلين، تم تطويره في إنجلترا (جوشيا سبود، 1800).
    • يُصنع بإضافة رماد العظام إلى مزيج البورسلين.
    • يتميز بشفافية أعلى وقوة ميكانيكية كبيرة، مما يسمح بصنع منتجات رقيقة جداً وخفيفة الوزن.

يعتبر فن الخزف من أقدم الفنون، وقد تطور بشكل مستقل في مناطق مختلفة من العالم:

  • البدايات (شرق آسيا): أقدم القطع الخزفية المعروفة وُجدت في الصين (منذ 18,000 إلى 20,000 سنة)، وكانت تُستخدم في البداية كأواني.
  • اليابان (خزف جومون): يُعتبر من أقدم أنواع الخزف (حوالي 12,000 ق.م)، وتميز بدمج الطين مع مواد أخرى مثل الألياف والقشور المكسرة.
  • الشرق الأوسط (بلاد الرافدين وسوريا): شهدت تطوراً هائلاً حوالي 6000 ق.م، حيث بُنيت أولى المواقد الفخارية (الأفران). هذا سمح برفع درجات الحرق، مما أنتج خزفاً أكثر متانة. برع الحرفيون هناك في صناعة البلاط وإضافة الزخارف والأشكال الهندسية.
  • مصر القديمة: طوّر المصريون تقنياتهم الخاصة، واستخدموا مزيجاً من الكوارتز (بلورات الرمل) ومواد أخرى لصنع “الخزف المصري” (Faience)، وهو نوع مبكر من الخزف المطلي بالزجاج اللامع.
  • أوروبا: انتقلت التقنيات من الشرق الأوسط إلى اليونان (حوالي 7000 ق.م)، ومنها انتشرت إلى باقي دول حوض البحر الأبيض المتوسط وأوروبا.

اكتشاف المزيد من عالم المعلومات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

ما رأيك بهذه المقالة؟ كن أول من يعلق

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على موقعنا. تساعدنا هذه الملفات على تذكر إعداداتك وتقديم محتوى مخصص لك. يمكنك التحكم في ملفات تعريف الارتباط من خلال إعدادات المتصفح. لمزيد من المعلومات، يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية لدينا.
قبول
سياسة الخصوصية