مما لا ريب فيه أنَّ صلاة قيام الليل تُعدُّ من أجلِّ وأعظمِ الطاعات والقرباتِ عند الله سبحانه وتعالى، فهي كنزٌ لا يُقدَّرُ بثمنٍ ومنحةٌ ربانيةٌ عظيمةٌ لمن وفَّقه الله لإدراكِها والمحافظةِ عليها، إذْ يجدُّ فيها المؤمنُ ملاذًا آمنًا لنفسهِ المضطربةِ وراحةً وطمأنينةً لقلبهِ، وانشراحًا لصدرهِ، فيتحصَّلُ فيها على السكينةِ والرِّضا النفسيِّ العميقِ.
كما ينالُ المُصلِّي أجرًا وفيرًا وثوابًا جزيلًا وخيرًا كثيرًا وبركةً في حياته، حيثُ تتنزَّلُ الملائكةُ الكرامُ ليشهدوا هذه الصلاةَ المباركةَ، وتكتبُها الملائكةُ السَّفرةُ الكِرامُ البررةُ في صحائفِ أعمالِ العبدِ كعملٍ صالحٍ يرفعهُ عند ربِّهِ، وهي من أفضلِ الأعمالِ التي تُقربُ العبدَ من خالقهِ وتُعلي منزلتهُ في الدُّنيا والآخرةِ.
أهمية قيام الليل
تُعتبر صلاة قيام الليل من أجلّ النوافل وأفضل القربات التي يتقرّب بها العبد إلى خالقه عزّ وجلّ، فهي من علامات الإيمان الراسخ والصلة الوثيقة بالله، حيث وصف الله تعالى عباده المؤمنين بقوله: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}، ممّا يدلّ على عنايتهم بهذا الوقت الثمين واستغلاله في العبادة والدعاء.
وقد كان النبيّ -عليه الصلاة والسلام- القدوة الحسنة والمثل الأعلى، مُحافظًا على قيام الليل مُداومًا عليه في جميع أحواله، سواءً في الحضر أو السفر، ممّا يُبرز أهمية هذه الصلاة وفضلها العظيم. وقد ورد عن أبي سليمان الداراني قوله الذي يُظهر قيمة قيام الليل عنده، حيث قال أنّه كان يُحبّ الدنيا بسبب ما يُعينه قيام الليل عليها من النشاط والبركة، كما أنّ ترك قيام الليل قد يكون عقوبةً من الله تعالى للعبد، كما ذكر الحسن البصري، ممّا يُبيّن خطورة التهاون بهذه العبادة.
وتأكيدًا على فضل قيام الليل، فقد أوصى النبيّ -عليه الصلاة والسلام- عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- بهذه العبادة الجليلة، حيث قال: “نِعْمَ الرَّجُلُ عبدُ اللَّهِ لو كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَكانَ عبدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عنْه يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ”، وهي شهادة عظيمة تُبيّن فضل المواظبة على قيام الليل وأثره في صلاح العبد وقربه من ربّه.
كيفية أداء صلاة قيام الليل
تُعدّ صلاة قيام الليل من السنن المؤكدة، وتُعرف أيضًا بالتهجد إذا أُدّيت بعد النوم، وهي عبادةٌ يُستحبّ أداؤها في أيّ ليلةٍ من ليالي العام. وتُصلّى صلاة قيام الليل ركعتين ركعتين، مع التسليم بين كل ركعتين، ثمّ يُختمها المُصلّي بركعةٍ واحدةٍ للوتر. ويجوز أداء صلاة قيام الليل دفعةً واحدةً أو تقسيمها على أوقاتٍ مختلفةٍ من الليل، فيُمكن أداء جزءٍ منها في أول الليل ثمّ إكمالها في آخره.
وقد اتّفق جمهور الفقهاء من المالكيّة والشافعيّة والحنابلة وغيرهم من العلماء على هذه الكيفيّة في أداء صلاة قيام الليل. ويستندون في ذلك إلى قول النبيّ -عليه الصلاة والسلام- عندما سأله رجلٌ عن كيفية صلاة الليل، فأجابه: “مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى واحِدَةً، فأوْتَرَتْ له ما صَلَّى”. وهذا الحديث النبويّ الشريف يُوضّح صفة وكيفية أداء هذه الصلاة المباركة.
أفضل أوقاتُ قيام الليل
يُعتبر قيام الليل من العبادات المستحبة في الإسلام، ويجوز أداؤه في أي جزء من الليل، سواء في أوله أو وسطه أو آخره، استنادًا إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه: “ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل مصليًا إلا رأيناه، ولا نشاء أن نراه نائمًا إلا رأيناه”.
ويبدأ وقت قيام الليل شرعًا من بعد الانتهاء من صلاة العشاء ويمتد إلى طلوع الفجر الثاني، إلا أن أفضل أوقات قيام الليل هو الثلث الأخير منه، وذلك لما ورد في الحديث النبوي الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: “أحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يومًا ويفطر يومًا”.
وهذا يشير إلى أن داود عليه السلام كان يصلي في السدس الرابع والخامس من الليل، أي في الثلث الأخير منه، لما في هذا الوقت من فضل عظيم ونزول إلهي إلى السماء الدنيا، كما جاء في الأحاديث الصحيحة. وقد وردت أحاديث أخرى تؤكد فضل جوف الليل، فقد روى النسائي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: “سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الليل خير؟ قال: خير الليل جوفه”.
وروى ابن الملقن عن أبي مسلم أنه قال: “قلت لأبي ذر: أي قيام الليل أفضل؟ قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فقال: جوف الليل الغابر أو نصف الليل، وقليل فاعله”، مما يدل على أهمية وخصوصية هذا الوقت من الليل في العبادة والتقرب إلى الله. هذه الأحاديث النبوية الشريفة تُبيّن لنا فضل قيام الليل وتُحدّد لنا أفضل أوقاته، وتحثّنا على اغتنام هذه الفرصة العظيمة للتقرّب من الله تعالى.
آداب قيام الليل
- النية: فإن لم تستيقظ كتب لك ثواب القيام؛ يقول صلى الله عليه وسلم: “إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لكُلِّ امرئٍ مَا نَوَى” [متفق عليه].
- الوضوء بعد الاستيقاظ مباشرة واستخدام السِّواك.
- افتتاح القيام بركعتين خفيفتين، ثم الصلاة بعدهما ما يشاء.
- الصلاة على قدرِ الاستطاعة؛ لقولِهِ تعالَى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، فإذا غلب الإنسانَ النومُ نام، حتى يعرف ما يقول في صلاته.
- الدعاء عند القيام بدعاءِ النبي صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُمَّ اجعلْ في قلبِي نورًا، وفي بصرِي نورًا، وفي سمعي نورًا، وعنْ يميني نورًا، وعنْ يساري نورًا، ومن فوقِي نُورًا، ومن أمامي نورًا، وأعظمْ لِي نورًا”.
وهذه بعض الوصايا التي تعينك على قيام الليل:
- هجْر الذّنوب: يقول سفيان الثّوريّ: حُرمتُ قيام الليل خمسة أشهر لذنب أذنبته. قيل له: وما هذا الذّنب؟ قال: رأيتُ رجلاً يبكي فقلتُ: هذا مُرَاءٍ. وقال الحسن بن علي: إذا لم تقدرْ على قيام الليل وعلى صيام النهار؛ فاعلم أنّك محروم، وقد كثُرت ذنوبك.
- التفكر في أهوال الآخرة: قال طاووس: إنّ ذِكْر جهنم طيّر نوم العابدين.
- عدم الإكثار من الطعام: قال بعض الصالحين: كم من أكلة منعتْ قيام ليلة، وكم من نظرة منعتْ قراءة سورة، وإنّ العبد ليأكل أكلة، أو يفعل فعلة، فيُحرم بها قيام سنة، وكما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فكذلك الفحشاء تنهى عن الصلاة وسائر الخيرات.
ثمار قيام الليل
شرف الاقتداء بالنبي
فضل قيام الليل يتجلى في كونه من السنن المؤكدة التي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به في هذه العبادة الليلية يُعد شرفًا عظيمًا للمسلم، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على قيام الليل ويحث عليه، ففي ذلك اتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم واقتداء به، وهو القدوة الحسنة والأسوة الطيبة لنا.
كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}، ويؤكد هذا الحث النبوي قوله صلى الله عليه وسلم: “أيُّها النَّاسُ أفشُوا السَّلام، وأطعمُوا الطَّعام، وصِلُوا الأرحامَ، وصَلُّوا باللَّيلِ والنَّاسُ نِيَامٌ، تدخلُوا الجنةَ بسلامٍ”، ففي هذه الوصية النبوية ترغيب واضح في قيام الليل وبيان لفضله وأثره في دخول الجنة.
باب للتقرب إلى الله
من فضل قيام الليل وثماره العظيمة تتجلى في كونه بابًا عظيمًا للتقرب إلى الله تعالى، وهي أعظم جائزة ينالها العبد، ففي تلك الساعات المباركة يتحقق قرب العبد من ربه قربًا خاصًا لا يُضاهيه قرب، حيث يشعر المؤمن بحلاوة الإيمان ولذة المناجاة، وينعم بفيض من رحمات الله وبركاته.
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على اغتنام هذه الفرصة الثمينة، حيث قال: “أقربُ مَا يكونُ العبدُ من الرَّبِّ في جوفِ اللَّيلِ الأخيرِ، فإنِ استطعتَ أنْ تكونَ مِمَّنْ يذكرُ اللهَ فِي تلكَ السَّاعةِ فكُنْ”، [رواه الترمذي والنسائي]، ففي هذا الوقت تتنزل الرحمات وتُجاب الدعوات وتُرفع الدرجات، فقيام الليل فرصة لا تُعوَّض لنيل رضا الله وقربه.
الفوز بمحبة الله
الله عز وجل، خالق الكون ومالكه، الغني عن عباده، يمنح من فضله العظيم من يقوم الليل، فيحبه ويضحك إليه ويستبشر به، وهي منزلة رفيعة ومكانة سامية يشتاق إليها كل مؤمن. وقد ورد في الحديث الشريف عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاثة يحبهم الله، ويضحك إليهم ويستبشر بهم”، فذكر منهم: “الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل، فإما أن يُقتل، وإما أن ينصره الله عز وجل ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه”، وهذا يدل على عظيم فضل الجهاد في سبيل الله والإخلاص فيه.
وذكر منهم أيضًا: “والذي له امرأة حسنة وفراش لين حسن، فيقوم من الليل فيقول: يذر شهوته ويذكرني، ولو شاء رقد”، وهذا يشير إلى فضل من تغلب على لذة النوم وشهوة الراحة ليقوم الليل ويناجي ربه، مخلصًا له العبادة. كما ذكر منهم: “والذي إذا كان في سفر، وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا فقام في السحر في ضراء وسراء”، وهذا يبين فضل من حافظ على قيام الليل حتى في حال السفر ومشقة التعب، سواء في حال اليسر والرخاء أو في حال الشدة والبلاء.
فهذه الأصناف الثلاثة نالوا محبة الله واستبشاره بهم بفضل إخلاصهم وقيامهم الليل، مما يدل على عظيم فضل هذه العبادة المباركة وآثارها الحميدة على صاحبها في الدنيا والآخرة، حيث تجمع هذه الأحاديث بين فضائل قيام الليل، والجهاد في سبيل الله، والإيثار على النفس، والصبر على الطاعة في مختلف الظروف والأحوال، مما يجعلها كلمات مفتاحية مهمة لفهم عظيم أجر القائمين بالليل.
تحقيق الإخلاص
يُعتبر قيام الليل مصفاة للقلب ومنقّيًا له من شوائب الدنيا، فيفيض القلب بحب الطاعة والانقياد لأوامر الله. وعندما يستشعر العبد عظمة الله وجلاله في تلك الساعات الهادئة، تصغر الدنيا في عينيه وتتلاشى همومها، إذ يترك مشاغل الحياة الفانية ليناجي خالق الكون ومالكه، وهذا الشعور العميق يُعدّ دافعًا قويًا للخشوع في الصلاة والإخلاص فيها، كما يُؤكّد على أهمية تجريد القلب من العلائق الدنيوية.
وقد وصف ابن القيم هذا المعنى بدقة حين قال إن الرجلين قد يقفان في صف واحد خلف الإمام نفسه، إلا أن الفرق بين صلاتيهما قد يكون شاسعًا كالفارق بين السماء والأرض، وذلك لأن قلب أحدهما يكون مشغولًا بصور وأفكار متشتتة، بينما قلب الآخر يكون حاضرًا بكليته مع الله وطاعته، لا يرى ولا يُبصر سواه، مما يُورثه سعادة لا تُضاهيها سعادة.
فيعيش حالة من الصفاء الروحي والاتصال الوثيق بالله، فلا يعرف الملل ولا السأم ولا الضيق ولا الخوف من الدنيا الزائلة، بل يُقبل على الله بكل جوارحه، ساعيًا إلى معرفته والفوز بمعيته وقربه ورضاه، وهذا هو جوهر الإخلاص وثمرة من ثمار قيام الليل المبارك.
الدخول في مصاف عباد الرحمن
إنّ من أعظم ثمار قيام الليل ونفحاته وبركاته، أنّه يضع العبد في مصاف عباد الرحمن الذين مدحهم الله تعالى في كتابه الكريم، وجعل من صفاتهم البارزة إحياء الليل بالعبادة والخشوع، فقد وصفهم سبحانه وتعالى في سورة الفرقان بصفات جليلة، من بينها التواضع والحلم والإعراض عن الجاهلين، ثمّ خصّ منهم أهل القيام الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً، خاشعين متذللين، راجين رحمته وخائفين عذابه، إذ قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}.
فقيام الليل إذاً من علامات عبودية الرحمن الخالصة، ودليل على صدق الإيمان وقوة اليقين، وهو من أعظم القربات التي ينال بها العبد محبة الله ورضوانه، والفوز بجنته ونعيمها، والنجاة من ناره وعذابها، فهل يطمح مشتاق إلى هذه المنزلة الرفيعة، والمرتبة السامية، أن يكون من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً؟ إنّها دعوة لكلّ مسلم صادق، أن يحرص على قيام الليل، لينال هذا الشرف العظيم، والفوز المبين.
الحصول على المقام المحمود
نيل المقام المحمود منزلة رفيعة يهبها الله لمن يحيي ليله بالتهجد والعبادة، مُبتعدًا عن الغفلة والكسل والجهل، مصداقًا لقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}، فقيام الليل دعوة للسمو الروحي والارتقاء بالنفس، وتمييزٌ واضحٌ بين من يقضي ليله في طاعة الله وذكره، وبين من يغفل عنه، حيث يرفع الله منزلة القائمين ويُعلي قدرهم.
كما قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ لا يَعْلَمُونَ}، فالمداومة على قيام الليل ترفع العبد إلى مكانة سامية لا يُضاهيها غيره، وتجعله من المقربين إلى الله تعالى، ممّن جمعوا بين العلم بالله والخوف منه ورجاء رحمته، فاستحقوا بذلك الفضل العظيم والمقام الرفيع.
التزود للسفر
فضل قيام الليل وثماره العظيمة، يُشبّه الاستعداد لسفر الدنيا بالاستعداد لسفر الآخرة، فكما يُجهّز المسافر زاده ليوم سفره، فزاد الآخرة هو قيام الليل، فقد وقف أبو ذر رضي الله عنه أمام الكعبة مُذكّراً أصحابه بأنّ سفر الآخرة أبعد وأعظم من أي سفر دنيوي، وداعياً إياهم للاستعداد له بالزاد المناسب، حيث أرشدهم إلى زاد الآخرة المتمثل في الحج لعظائم الأمور، وصلاة ركعتين في ظلمة الليل كأُنسٍ من وحشة القبور، وصيام يوم شديد الحرّ اتقاءً لطول يوم النشور، مُبيّناً أنّ الجزاء من جنس العمل.
فمن ترك لذائذ الدنيا وراحته تقرّباً لله وأُنسًا به، عوضه الله بنعيم الآخرة وجناته، كما ورد عن أحد التابعين رؤيا لامرأة عرّفت عن نفسها بأنها حورية من الحور العين، وعندما طلب منها الزواج، طلبت منه أن يخطبها، وحين سألها عن مهرها، أجابت: طول القيام، ما يُؤكّد فضل قيام الليل كزادٍ للآخرة ونيل رضا الله وجنته.
صحة الجسم
يُعتبر قيام الليل من العبادات التي تحمل في طياتها فوائد جمة، تشمل جوانب متعددة من حياة المسلم، ومن بين هذه الفوائد الصحية التي أشار إليها كتاب “الوصفات المنزلية المجربة وأسرار الشفاء الطبيعية” لمجموعة من المؤلفين الأمريكيين عام 1993، حيث ذكر الكتاب أهمية الاستيقاظ من النوم ليلاً والحركة البسيطة داخل المنزل.
بالإضافة إلى ممارسة تمارين رياضية خفيفة وتدليك الأطراف بالماء والتنفس بعمق، كعوامل تساهم في تحسين صحة الجسم، ومن المثير للاهتمام أن هذه الممارسات تتشابه بشكل كبير مع ما يفعله المسلم أثناء قيام الليل من وضوء وحركة في الصلاة ودعاء، ما يُبرز البعد الصحي لهذه العبادة بجانب بعدها الروحي والتعبدي، ويُمكن اعتبار قيام الليل بمثابة علاج طبيعي وقائي يُساهم في تعزيز صحة الجسم بشكل عام.
الفوز بالسعادة
إنّ من أعظم ثمار قيام الليل وتحقيق السعادة الحقيقية هو الفوز بلذة لا تضاهيها لذة، وهي لذة الوقوف بين يدي الله تعالى واستشعار قربه، تلك السعادة الروحية التي تفوق كل متع الدنيا، حيث ينعم القائم بثواب جزيل ونعيم لا يدركه إلا من ذاق حلاوة المناجاة في جنح الليل.
ففي هذا الوقت المبارك، يصفو الهواء ويسكن الكون، ويهيمن الهدوء على الأجواء، وكأنّ الدنيا تستعد لاستقبال نزول الرب عز وجل في الثلث الأخير من الليل، وهي لحظات روحانية عظيمة تدعو المؤمن إلى مناجاة الله ودعائه في السحر، واستقبال رحمته ومغفرته بصالح الأعمال والاستغفار والتوبة.
هذه اللذة الروحية التي يشعر بها المؤمن هي ما دفع بعض العلماء إلى القول بأنّ نعيم أهل الجنة ما هو إلا صورة مصغرة لما يجده أهل التملق في قلوبهم من حلاوة المناجاة الليلية، بل ذهب البعض إلى القول بأنّ ما يجده القائم من لذة يفوق ثواب عمله، وقد كان الفضيل بن عياض رضي الله عنه يفرح بقدوم الظلام ليخلو بربه، وعندما سُئل الحسن البصري رضي الله عنه عن سر جمال وجوه المجتهدين في الليل، أجاب بأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم الله من نوره، وهذا يدل على أنّ قيام الليل يورث نورًا في الوجه وصفاء في القلب، بالإضافة إلى الثواب العظيم والمنزلة الرفيعة عند الله.
فضائل قيام الليل:
من القرآن الكريم
- قال الله -تعالى-: (إنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ* تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).
- قال الله -تعالى-:(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً).
- قال الله -تعالى-: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).
- قال الله -تعالى-: (لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ).
- قال -تعالى-: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً* وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً).
- قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً* نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً* أوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً).
- قال -تعالى-: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً* وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً).
من السنة النبوية
- عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللهُ عَنْهَا: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلاَ أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْداً شَكُوراً).
- قال الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ لِلَّهِ قَائِماً وَالنَّاسُ نِيَامٌ)،
- عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عُمَر رَضِيَ اللهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَار).
- قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، صَلَاةُ اللَّيْلِ).
- قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (مَن قامَ بعَشرِ آياتٍ لم يُكتَبْ مِن الغافِلينَ، ومَن قامَ بمئةِ آيةٍ كُتِبَ مِن القانِتينَ، ومَن قامَ بألْفِ آيةٍ كُتِبَ مِن المُقَنطِرينَ).
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.