ما هو الإرشاد النفسي؟ أهدافه ومناهجه ومبادئه

أصبح الإرشاد النفسي (Psychological Counseling) تخصصاً حيوياً في عالمنا المعاصر. فمع تسارع وتيرة الحياة، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، والتغيرات الأسرية، يحتاج الأفراد إلى دعم وتوجيه لمواجهة هذه التحديات.

يهدف الإرشاد النفسي كأداة وقائية وعلاجية إلى حماية الأفراد من الاضطرابات النفسية، وتمكينهم من حل مشكلاتهم بفاعلية، والوصول إلى التوافق النفسي والمهني، وبناء مجتمع أكثر صحة واستقراراً.

ببساطة، الإرشاد النفسي هو عملية تفاعلية مهنية وهادفة تُبنى على علاقة وطيدة بين طرفين:

  1. المرشد النفسي: وهو متخصص مُدرَّب في مجال الصحة النفسية.
  2. المسترشد (العميل): وهو الشخص الذي يسعى للحصول على المساعدة.

تجري هذه العملية في بيئة آمنة يسودها الاحترام والثقة والسرية. وتعتمد على مبادئ علمية لمساعدة الفرد على فهم ذاته (نقاط قوته وضعفه)، وتطوير مهارات حياتية هامة (مثل حل المشكلات واتخاذ القرار)، وتعديل السلوكيات غير المرغوبة، بهدف الوصول إلى التوافق النفسي والاجتماعي.

  • وفقاً للجمعية الأمريكية (APA): هو خدمة مهنية تركز على مساعدة الأفراد على تعزيز الجوانب الإيجابية في شخصياتهم وتطوير قدرتهم على التكيف.
  • وفقاً لباترسون: هو عملية تفاعلية مُنظّمة تساعد المسترشد على فهم مشكلته واستكشاف حلول فعّالة لها.

يسعى الإرشاد النفسي لتحقيق مجموعة من الأهداف المتكاملة، أهمها:

  • 1. تحقيق الذات: مساعدة الفرد على استغلال قدراته وإمكانياته إلى أقصى حد ممكن، والوصول إلى أعلى درجة من الرضا عن مهاراته.
  • 2. تحقيق التوافق: وهي عملية مستمرة لتحقيق الانسجام مع الذات والبيئة. وتشمل:
    • التوافق البيولوجي: التلاؤم مع شروط البيئة الطبيعية.
    • التوافق الاجتماعي: التكيف مع ثقافة المجتمع ومعاييره.
    • التوافق النفسي الشخصي: الانسجام الداخلي للفرد مع نفسه.
  • 3. تحقيق التكيف: مساعدة الفرد على تحقيق قيم المشاركة والتعاون والتكيف الإيجابي مع النفس والآخرين، سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي أو التربوي.
  • 4. تحقيق الصحة النفسية: وهو المطلب الأساسي؛ أي قدرة الفرد على العمل بكفاءة والشعور بالسعادة والاستقرار، والقدرة على التفاعل الإيجابي (بالحب والعمل والصداقة) وحل المشكلات بفاعلية.
  • 5. إكساب الفرد مهارة الضبط الذاتي: نقل مركز التحكم في سلوك الفرد من “مركز ضبط خارجي” (الخوف من العقاب) إلى “مركز ضبط داخلي” (الرغبة الذاتية والمراقبة الذاتية).
  • 6. تحسين العملية التعليمية (الإرشاد المدرسي):
    • إكساب الطلاب مهارات حياتية واجتماعية.
    • تحقيق الاستقرار الوجداني والانضباط النفسي.
    • مساعدة الطلاب على تقبل التغيرات الجسمانية (خاصة في المراهقة).
    • مساعدة الطلاب على التخطيط لمستقبلهم المهني والتعليمي.
    • معالجة الاضطرابات السلوكية لدى الطلاب.
مرشد نفسي يتحدث مع مسترشد في بيئة آمنة وداعمة

لكي يحقق الإرشاد أهدافه، فإنه يستخدم ثلاثة مناهج رئيسية:

1. المنهج النمائي (أو الإنشائي)

  • التركيز: الأفراد الأسوياء (غير المرضى).
  • الهدف: رعاية النمو السليم للأفراد، وتنمية مهاراتهم وقدراتهم إلى أقصى حد ممكن.
  • المبدأ: الإرشاد هو عملية نمو مستمرة لمساعدة الفرد على تحقيق أقصى درجات التوافق (النفسي، الاجتماعي، المهني). يُستخدم بكثرة في برامج الإرشاد المدرسي.

2. المنهج الوقائي

  • التركيز: وقاية الفرد قبل وقوع المشكلة.
  • الهدف: حماية الأفراد من الاضطرابات النفسية ومشكلات عدم التوافق.
  • المبدأ: يعتمد على الكشف المبكر عن أي بوادر اضطراب للتعامل معه قبل أن يستفحل، والمحافظة على الصحة النفسية للأفراد العاديين.

3. المنهج العلاجي

  • التركيز: الأفراد الذين يعانون من مشكلات أو اضطرابات قائمة.
  • الهدف: استعادة التوازن النفسي ومعالجة جذور المشكلات.
  • المبدأ: يُستخدم هذا المنهج عندما تفشل الجهود الوقائية أو عندما تكون المشكلة قد حدثت بالفعل. وهو يتطلب مستوى عالٍ من التخصص والخبرة لمعالجة الحالات المعقدة.

تقوم العملية الإرشادية على أسس ومبادئ أخلاقية صارمة لضمان نجاحها، أهمها:

1. مبدأ السرية (Confidentiality)

  • تعتبر السرية دعامة أساسية لبناء الثقة. يجب على المرشد حفظ جميع أسرار المسترشد وعدم إفشائها.
  • الاستثناء الوحيد: لا يُكسر مبدأ السرية إلا في حالات محددة جداً (بموافقة العميل، أو إذا كان هناك خطر داهم على حياة المسترشد أو حياة الآخرين).

2. مبدأ تقبل المسترشد (Acceptance)

  • يجب على المرشد أن يتقبل المسترشد “كما هو” (بكل عيوبه، أفكاره، وانفعالاته) دون أي نقد أو لوم أو إصدار أحكام.
  • الهدف هو قبول الشخص أولاً، ثم العمل معه على تعديل السلوكيات الخاطئة ضمن العملية الإرشادية.

3. مبدأ “هنا والآن” (Here and Now)

  • يركز هذا المبدأ على الظروف والأحداث التي يعيشها المسترشد الآن وما يشعر به خلال الجلسة.
  • حتى عند مناقشة الماضي، يقوم المرشد الماهر بربطه بالحاضر لفهم كيف تؤثر تجارب الماضي على مشاعر وسلوكيات المسترشد اليوم.

(س1) ما الفرق بين الإرشاد النفسي والعلاج النفسي؟ الخطوط الفاصلة بينهما غير واضحة دائماً، لكن بشكل عام:

  • الإرشاد النفسي: يركز غالباً على مشكلات حياتية محددة، وتطوير المهارات، وتحقيق التوافق. قد يكون أقصر مدة.
  • العلاج النفسي (Psychotherapy): يتعامل غالباً مع اضطرابات نفسية أعمق وأكثر تعقيداً (مثل الاكتئاب الشديد، القلق المزمن، صدمات الماضي).

(س2) من هو الشخص الذي يحتاج إلى الإرشاد النفسي؟ أي شخص يواجه صعوبة في التعامل مع تحديات الحياة، أو يشعر بأنه “عالق”، أو يواجه مشكلات في علاقاته (الأسرية، المهنية)، أو يرغب في فهم ذاته وتطويرها بشكل أفضل، يمكنه الاستفادة من الإرشاد.

(س3) هل الإرشاد النفسي يعني أنني “مجنون” أو “ضعيف”؟ إطلاقاً. السعي للحصول على إرشاد نفسي هو علامة على القوة والوعي، تماماً مثل الذهاب إلى الطبيب للعلاج الجسدي أو الذهاب للنادي الرياضي لتقوية الجسم. إنه استثمار في صحتك النفسية.


اكتشاف المزيد من عالم المعلومات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

ما رأيك بهذه المقالة؟ كن أول من يعلق

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على موقعنا. تساعدنا هذه الملفات على تذكر إعداداتك وتقديم محتوى مخصص لك. يمكنك التحكم في ملفات تعريف الارتباط من خلال إعدادات المتصفح. لمزيد من المعلومات، يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية لدينا.
قبول
سياسة الخصوصية