الخشوع في الصلاة ليس مجرد أداء ركن من أركان الإسلام أو وسيلة لمغفرة الذنوب والخطايا، بل هو مفتاحٌ للارتقاء إلى أعلى مراتب الإيمان ونيل الفردوس الأعلى، حيث يمتد نفعه ليشمل الدنيا والآخرة. وقد أكدّ الله تعالى على فضل الخاشعين في آياته الكريمة، مبيّنًا مكانتهم الخاصة ومنزلتهم الرفيعة، حيث قال سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}، ليخصّهم بهذا الفلاح العظيم.
إنّ ثمرات الخشوع لا تقتصر على النعيم الأخروي وجزاء الآخرة، بل تمتد لتشمل جوانب الحياة الدنيا أيضًا، فتجلب الطمأنينة والسكينة والراحة النفسية للمؤمن. وقد كان الخشوع منهجًا عمليًا وسُنةً نبويةً اتّبعها النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في حياته، فكان يلجأ إلى الصلاة عند الشدائد والملمات، ويَفزع إليها عند الهموم والأحزان، كما ورد عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال: “كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ إذا حزَبه أمرٌ صلَّى”، ليُعلّمنا بذلك أهمية الخشوع في الصلاة كطريقٍ للخلاص من الهموم وقضاء الحوائج وتفريج الكروب. فالخشوع إذًا هو جوهر الصلاة وروحها، وهو الصلة الحقيقية بين العبد وربه، ومفتاحٌ لكل خير في الدنيا والآخرة.
تعريف الخشوع في الصلاة
لعظم قيمة الخشوع في الصلاة كان النبي -صلى الله عليه وسلّم- يتعوذ من قلب لا يخشع، حيث إنه ذم غير الخاشعين، وما ذاق الناس مر الشقاء إلّا بالإعراض عن الخشوع؛ ولأنّ الكثير قد يغفل عن معنى الخشوع وجب التطرق لمعناه، وفيما يأتي بيان تعريف الخشوع في الصلاة:
الخشوع لغة:
يُعرّف لغةً بأنه التذلل والتطامن والخضوع، فأصل الكلمة كما ذكر ابن فارس يدور حول معنى الانخفاض والتطأطؤ، فيُقال خشع الشخص إذا تطامن رأسه وانخفض، ويُعبّر عن ذلك بالخشوع، وقد يُفسّر أيضاً بالسكون والطمأنينة والتذلل والخضوع لله عز وجل، وهذا الخشوع يشمل جوانب متعددة، فهو ليس مجرد خضوع بدني ظاهري، بل هو حالة قلبية وجوارحية شاملة، فيكون الخضوع في البدن من خلال هيئة المصلي وسكون حركاته، ويكون الخشوع في القلب باستحضار عظمة الله تعالى والتفكر في معاني القرآن والأذكار.
كما يظهر الخشوع في البصر بخفض النظر وعدم الالتفات، ويُعبّر عنه أيضاً بخشوع الصوت، كما ورد في قوله تعالى: {خَاشِعَةٌ أَبْصَارُهُمْ}، إشارةً إلى ذلّة الخاطئين يوم القيامة، وقوله تعالى: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا}، دلالةً على سكون الأصوات وخضوعها لجلال الله تعالى يوم الحساب، فالخشوع إذن هو حالة شاملة تجمع بين خشوع القلب والجوارح، وتُعبّر عن ذل العبد وخضوعه بين يدي ربه.
الخشوع اصطلاحًا:
الخشوع في الصلاة هو حالة قلبية عميقة تعني اصطلاحًا قيام القلب بين يدي الله سبحانه وتعالى في حالة من الخضوع والتذلل والانكسار، وقيل أيضًا أنه تذلل القلوب لعَلاّم الغيوب، أي الشعور بعظمة الله وجلاله واستشعار قربه ومراقبته في كل حين، وهو بالمختصر هيئة راسخة في النفس المؤمنة تظهر آثارها وعلاماتها على الجوارح من خلال السكون والتواضع والسكينة الظاهرة، حيث ينعكس خشوع القلب على الجوارح فيظهر عليها الخشوع والوقار.
ويُعدّ الخشوع في الصلاة من أهم مقوماتها وأسباب قبولها، حيث يضفي عليها روحانية وصفاء ويجعلها صلة حقيقية بين العبد وربه، وللخشوع في الصلاة فوائد جمة تعود على المصلي في الدنيا والآخرة، منها طمأنينة القلب وانشراح الصدر ونيل رضا الله تعالى وقربه.
أنواع الخشوع
بعد ذكر تعريف الخشوع في الصلاة فإن الخشوع من أفعال القلوب، وإذا خشع الصوت أو خشع الوجه أو البصر، فإنّما يكون ذلك من خشوع القلب، ويتسق البيان القرآني في استعماله للخشوع، فكل خشوع في القرآن إنما هو لله تعالى: كقوله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً}، وقوله: {وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ}، وفيما يأتي بيان أنواع الخشوع بعد أن تم بيان تعريف الخشوع في الصلاة:
خشوع مذموم:
هو خشوع زائف يقتصر على الظاهر دون أن يوافقه خشوع القلب، حيث يكون الهدف منه استعراضًا أمام الناس وتصنّعًا لجلب مدحهم وثنائهم، وقد كان السلف الصالح يحذرون من هذا النوع ويستعيذون بالله منه، فقد رُوي عن بعضهم قوله: “استعيذوا بالله من خشوع النفاق”، وعندما سُئل عن معناه، أجاب: “أن ترى الجسد خاشعًا والقلب ليس بخاشع”، وهذا يُشير إلى التباين بين الظاهر والباطن، حيث يظهر الشخص خشوعًا مصطنعًا بينما قلبه غافل.
وكان الفضيل بن عياض، وهو من كبار الخاشعين، يكره أن يُظهر الرجل من الخشوع أكثر مما يُبطن، أي أن يُظهر خشوعًا ظاهريًا أعظم مما يستشعره في قلبه، ممّا يدلّ على كُره التكلّف في الخشوع وإظهار ما لا يُوجد في القلب، وقد أنكر عمر بن الخطاب على رجلٍ طأطأ رقبته في الصلاة، مُبيّنًا أنّ الخشوع الحقيقي محله القلب لا الرقبة، حيث قال له: “يا صاحب الرقبة! ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب إنّما الخشوع في القلوب”، وهذا تأكيد على أهمية حضور القلب في الصلاة.
وقد أشار ابن القيم في كتابه “زاد المعاد” إلى “بكاء النفاق” كأحد أنواع البكاء المذمومة، حيث تدمع العين بينما القلب قاسٍ، فيُظهر صاحبه الخشوع بينما قلبه من أقسى القلوب، وهذا يُبيّن خطورة الاكتفاء بالظاهر دون إصلاح الباطن، وقد رأى أحد الصالحين رجلاً خاشع المنكبين والبدن، فنبّهه قائلاً: “الخشوع ها هنا!”، مُشيرًا إلى قلبه، “لا ها هنا!”، مُشيرًا إلى منكبيه، وهذا يُؤكّد على أنّ الخشوع الحقيقي ينبع من القلب ويظهر أثره على الجوارح، لا العكس.
خشوع محمود:
كما بين الإمام ابن القيم رحمه الله، هو حالة قلبية جوهرية تنبع من أعماق القلب وتستقر فيه، فهو محله ومنبعه الأصيل، إلا أن هذا الخشوع القلبي لا يقتصر على مجرد الشعور الداخلي، بل يمتد أثره ليظهر جليًا على الجوارح والأعضاء الظاهرة، فتكون بمثابة الثمرة الدالة عليه والشاهدة له.
فإذا ما خشع القلب وامتلأ بالإجلال والتعظيم لله سبحانه وتعالى، تبعته بالضرورة الجوارح والأعضاء في حالة من السكون والخضوع والانقياد، وذلك لأن القلب هو بمنزلة الملك الذي يسود الجسد ويوجهه، بينما الجوارح والأعضاء هي بمثابة الجنود التابعة له والخاضعة لأوامره، فمتى صلح الملك استقامت الرعية، ومتى خشع القلب خشعت الجوارح وانقادت لأمر الله.
دعاء الخشوع في الصلاة من السنة النبوية
لم يرد دعاء للخشوع في الصلاة بحد ذاته في السنة النبوية، وإنّما دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يُلهمه الرشد والإتقان في أمره كله، ومن ذلك:
- (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِنَ العَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ، القَبْرِ اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَن زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لَهَا).
- (اللَّهُمَّ قِنِي شرَّ نفسي واعزِمْ لي على أرشَدِ أمري اللَّهمَّ اغفِرْ لي ما أسرَرْتُ وما أعلَنْتُ وما أخطَأْتُ وما عمَدْتُ وما جهِلْتُ).
- (اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الثباتَ في الأمرِ والعزيمةَ على الرُّشْدِ وأسألُكَ شُكْرَ نعمتِكَ وحُسْنَ عبادتِكَ وأسألُك قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا، وأسألُكَ من خيرِ ما تَعْلَمُ وأعوذُ بك من شرِّ ما تعلمُ وأستغفرُك لما تعلمُ).
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.