يُشكّل البيزنطيون جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الإمبراطورية الرومانية؛ فهم يمثلون الشطر الشرقي الناجي والقوي منها.
مصطلح “البيزنطيون” هو مصطلح حديث أطلقه المؤرخون. هم أنفسهم لم يستخدموه، بل استمروا في تعريف أنفسهم بأنهم “رومان” (Ρωμαῖοι)، وإمبراطوريتهم هي “إمبراطورية الرومان”، وذلك حتى سقوطها النهائي.
التأسيس: من روما إلى القسطنطينية (330 ميلادي)
تعود أصول الإمبراطورية البيزنطية إلى قرار مصيري اتخذه الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول.
بعد انتصاره وتوحيده للإمبراطورية، قرر نقل العاصمة من روما القديمة. وفي عام 330 ميلادي، اختار موقع المستعمرة اليونانية القديمة المسماة “بيزنطة” (Byzantium) ليؤسس عليها “روما الجديدة”، والتي سرعان ما أصبحت تُعرف باسم “القسطنطينية” (مدينة قسطنطين).
كان اختيار هذا الموقع عبقرياً لعدة أسباب:
- موقع استراتيجي: كانت المدينة نقطة وصل حيوية بين قارتي أوروبا وآسيا.
- التحكم التجاري: سيطرت على مضيق البوسفور، وهو الممر الملاحي الوحيد بين البحر الأسود وبحر إيجة (البحر المتوسط).
- حصن منيع: تم بناء أسوار قوية (بين 410 و 413 ميلادي) جعلت اختراقها شبه مستحيل براً وبحراً لقرون.
- مركز ديني: رسّخ قسطنطين المسيحية كدين رسمي، وتحولت القسطنطينية إلى واحدة من أهم خمسة مراكز للمسيحية في العالم (إلى جانب روما، الإسكندرية، أنطاكية، والقدس).
لماذا صمد الشرق (بيزنطة) بعد سقوط الغرب (روما)؟
في عام 476 ميلادي، انهار القسم الغربي من الإمبراطورية الرومانية تحت ضغط الغزوات الجرمانية. لكن القسم الشرقي (البيزنطي) صمد وازدهر.
السبب الرئيسي هو أن الإمبراطورية البيزنطية كانت:
- أكثر ثراءً: سيطرت على أغنى الأقاليم والطرق التجارية.
- أكثر تحصيناً: العاصمة القسطنطينية نفسها كانت حصناً لا يُقهر بفضل أسوارها.
- أكثر استقراراً: كانت أقل عرضة للغزوات المدمرة التي عصفت بإيطاليا وبلاد الغال.
لهذا السبب، صمدت الإمبراطورية البيزنطية لأكثر من ألف عام إضافية بعد سقوط روما، وعملت كحاجز ثقافي وعسكري قوي بين أوروبا وآسيا.
العصر الذهبي والفن البيزنطي
شهدت الإمبراطورية البيزنطية عصراً ذهبياً (خاصة في القرنين 10 و 11)، تميز بازدهار اقتصادي وثقافي هائل.
انعكست هذه الثروة على الفن، ونشأ ما يُعرف بـ “الفن البيزنطي”، الذي اشتهر عالمياً بـ:
- فن الفسيفساء (Mosaics): لوحات جدارية مُبهرة مصنوعة من قطع زجاجية صغيرة ملونة، وغالباً ما كانت تُغطى بالذهب لتعكس النور الإلهي داخل الكنائس (مثل آيا صوفيا).
- الأيقونات الدينية: صور مقدسة مرسومة بأسلوب روحي محدد.
- الحفاظ على التراث: أولى البيزنطيون اهتماماً كبيراً بالحفاظ على الأدب والعلم اليوناني القديم، وبمرور الوقت، أصبحت اللغة اليونانية هي اللغة الرسمية للدولة بدلاً من اللاتينية.
السقوط: فتح القسطنطينية (1453)
بعد قرون من الصمود في وجه تحديات لا حصر لها (من حروب أهلية وغزوات صليبية)، بدأ العد التنازلي لسقوط الإمبراطورية.
في 29 مايو 1453، وبعد حصار شديد، تمكن السلطان العثماني محمد الثاني (الذي لُقب بـ “الفاتح”) من اختراق أسوار القسطنطينية المنيعة، مستخدماً مدافع عملاقة.
كان هذا الحدث مفصلياً في تاريخ العالم، حيث:
- أنهى الإمبراطورية البيزنطية (الرومانية) التي دامت أكثر من ألف عام.
- مثّل نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة في نظر كثير من المؤرخين.
- أصبحت القسطنطينية عاصمة للدولة العثمانية، وتغير اسمها لاحقاً إلى إسطنبول.
حقائق سريعة عن الإمبراطورية البيزنطية
- الاسم الحقيقي: الإمبراطورية الرومانية الشرقية.
- العاصمة: القسطنطينية (إسطنبول حالياً).
- المدة: من 330 م (تأسيس القسطنطينية) إلى 1453 م (سقوطها).
- اللغة: اللاتينية (في البداية)، ثم اليونانية (أصبحت اللغة الرسمية).
- الدين: المسيحية (أصبحت لاحقاً المركز الرئيسي للمسيحية الأرثوذكسية الشرقية بعد الانقسام الكبير عام 1054).
أسئلة شائعة حول البيزنطيين
(س1) من هم البيزنطيون باختصار؟ هم سكان الإمبراطورية الرومانية الشرقية (وعاصمتها القسطنطينية). هم مسيحيون، يتحدثون اليونانية، وكانوا يعتبرون أنفسهم “الرومان الحقيقيين” بعد سقوط روما.
(س2) ما الفرق بين الإمبراطورية الرومانية والبيزنطية؟ الإمبراطورية البيزنطية هي الاستمرار المباشر للإمبراطورية الرومانية في الشرق. الفرق الرئيسي هو أن مركزها انتقل من روما إلى القسطنطينية، وتغيرت لغتها الرسمية من اللاتينية إلى اليونانية، وأصبحت هويتها مسيحية أرثوذكسية بشكل واضح.
(س3) ما هي “بيزنطة” (Byzantium)؟ “بيزنطة” هو الاسم الأصلي للمدينة اليونانية القديمة التي اختارها الإمبراطور قسطنطين ليبني فوقها عاصمته الجديدة “القسطنطينية”.
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.







