الصحة النفسية ومفاهيمها

تُعرّف الصحة النفسية، أو ما يُعرف باللغة الإنجليزية بـ “Psychological health”، بأنها حالة من الرفاه النفسي والعاطفي والاجتماعي، تشمل مجموعة متكاملة من العمليات والأساليب التي يتبناها الأفراد للحفاظ على سلامة صحتهم النفسية وتعزيزها، وذلك بهدف تمكينهم من مواجهة تحديات الحياة وضغوطها المتنوعة بفاعلية، واكتساب القدرة على إيجاد حلول بنّاءة للمشكلات والعقبات التي تعترض طريقهم.

كما تُعنى الصحة النفسية بقدرة الفرد على التفاعل الإيجابي والتكيّف السليم مع البيئة المحيطة به، بما في ذلك العلاقات الاجتماعية والتحديات اليومية، مع التركيز على أهمية تغليب العقلانية والمنطق في التعامل مع المواقف المختلفة، والتحكم في الانفعالات والعواطف السلبية التي قد تنشأ نتيجة للتأثر بالعوامل والمحفزات الخارجية، كالغضب والقلق والتوتر والإحباط وغيرها، ممّا يُساهم في تحقيق التوازن النفسي والاستقرار العاطفي للفرد، ويعزز من جودة حياته بشكل عام.

أهميّة الصحة النفسية

تُعدّ “الصحة النفسية” ركيزة أساسية لجودة حياة الأفراد وسعادتهم، حيث يؤثر غيابها بشكل كبير على مختلف جوانب الحياة، بدءًا من العلاقات الشخصية مع الآخرين ومع الذات، مرورًا بالأداء في الأعمال والأنشطة اليومية، وصولًا إلى الصحة البدنية والعقلية.

فالصحة النفسية المتوازنة تساهم في الحفاظ على نمط حياة هانئ ومثمر، بينما تُخلّف الصحة النفسية السيئة آثارًا سلبية تعيق ممارسة الحياة بالشكل الأمثل، وتتسبب في تدهور الصحة الجسدية.

ومن الجدير بالذكر أن السعادة النفسية تلعب دورًا حيويًا في تعزيز الصحة النفسية، حيث تُعدّ السمة الإيجابية مؤشرًا قويًا على وصول الفرد إلى أعلى مستويات التعزيز للصحة النفسية والعافية الشاملة.

مراتب الصحة النفسيّة

تقتصر مراتب الصحة النفسيّة على مرتبتين اثنتين وهما:

السلامة النفسيّة

وتعتبر المرتبة العليا، حيث تتسم هذه المرحلة بتحقيق توازن دقيق في النفس اللوامة، وهي تلك النفس التي تُحاسب الفرد على أفعاله وتُوجهه نحو الخير. هذا التوازن يُضفي على الفرد قدرة فائقة على الرؤية الواضحة لأبعاد وجوده، فيُدرك قيمته الحقيقية وأهميته في الحياة، ويتضح له دوره ومسؤولياته بشكل جلي.

كما يُساعده هذا المستوى من الصحة النفسية على اختبار وتقييم قدرته على مجاهدة نفسه وكبح جماحها في الابتعاد عن الشهوات والملذات الدنيوية التي قد تُضره، وتوجيهه نحو اتباع الطاعات وأوامر الله تعالى، ممّا يُساهم في تعزيز شعوره بالرضا والسكينة النفسية، ويُحقق له التوافق النفسي والاجتماعي الأمثل. فالسلامة النفسية إذن، هي جوهر الصحة النفسية ومفتاح السعادة الحقيقية للفرد.

الكمال النفسي

مرتبة الكمال النفسي هي حالة سامية تصل إليها النفس البشرية عندما يملأها الخير ويسكن في أعماقها، فحينها تستقيم على طريق الحق والهدى، وتتمكّن من بلوغ السعادة بأعلى صورها وذروتها، ويمكن وصف هذه النفس بأنها نفس مطمئنة راضية بقضاء الله وقدره، مستسلمة لإرادته، ممّا يعكس مفهومًا عميقًا للصحة النفسية يتجاوز مجرد السلامة من الأمراض والاضطرابات النفسية، ليشمل حالة من التوازن الروحي والرضا الداخلي العميق.

مفاهيم تعتمد على الصحة النفسية

توجد مجموعة من المفاهيم التي تعتمد الصحّة النفسية على دراستها، ومنها:

الشخصية:

تُعتبر الشخصية من الركائز الأساسية في تكوين الإنسان، حيث تُمثل نظامًا ديناميكيًا مُتكاملًا يُحدد طبيعة استجابة الفرد للمُثيرات والظواهر المُحيطة به، وكيفية توجيه هذه الاستجابات لتشكيل السلوك الإنساني.

وتتأثر الشخصية بشكل كبير بـ الصحة النفسية للفرد، حيث يُفترض أن يكون الفرد خاليًا من أي اضطرابات أو أمراض نفسية أو عصبية لكي تُعكس الشخصية حالته الطبيعية وقدرته على التفاعل السليم مع مُحيطه.

بمعنى آخر، تلعب الصحة النفسية دورًا حاسمًا في تكوين وتطوير الشخصية السليمة، حيث أن أي خلل في الصحة النفسية قد يُؤدي إلى تشوهات في الشخصية وتأثيرات سلبية على سلوك الفرد وتفاعلاته الاجتماعية.

الإحباط:

يُعرّف الإحباط على أنه شعور بالعجز أو اليأس ينتاب الفرد نتيجة عدم القدرة على تحقيق ما يصبو إليه، وقد يترافق هذا الشعور مع مشاعر سلبية أخرى كالغضب أو الحزن أو خيبة الأمل.

من المهم فهم أن الإحباط ليس حالة دائمة، بل هو رد فعل طبيعي للظروف الصعبة، وعادةً ما يتلاشى هذا الشعور تدريجياً بزوال المسببات أو بتغيير الظروف المحيطة، أو من خلال تبني استراتيجيات فعّالة للتعامل مع التحديات وتجاوزها.

العدائية:

هو نمط سلوكي فردي يتجلى في ميل الشخص لمهاجمة الذات أو الآخرين، سواء كان ذلك عبر توجيه كلام جارح أو مؤذٍ نفسيًا، أو من خلال إلحاق الأذى الجسدي بهم. يُعتبر هذا السلوك العدائي، بأشكاله المختلفة، سلوكًا غير مقبول اجتماعيًا ويعيق التفاعل الإيجابي والبناء بين الأفراد، مما يؤثر سلبًا على الصحة النفسية للمجتمع ككل. هذا السلوك قد ينبع من مشاكل نفسية دفينة أو ضغوطات حياتية يتعرض لها الفرد، مما يستدعي فهمًا أعمق لأسبابه ودوافعه.

القلق:

القلق يُعتبر حالة انفعالية نفسية عميقة التأثير على الإنسان، حيث ينشأ هذا الشعور نتيجة توقع الفرد لحدوث أمر ما في المستقبل، سواء كان هذا الأمر مُحتملاً أو مُتخيلاً، أو بسبب الخوف من مواجهة وضع أو ظرف مُعين، مما يُسبب له ضغطاً نفسياً وتوتراً داخلياً.

ويتميز القلق بأنه شعور مؤقت، حيث يزول ويتلاشى تدريجياً بمجرد زوال الأسباب والعوامل التي أدت إلى ظهوره، سواء بتحقق ما كان ينتظره الفرد أو بتجاوزه للموقف الذي كان يُخيفه، أو حتى بتكيفه مع الوضع الجديد. ويُعد القلق جزءاً طبيعياً من تجربة الإنسان، إلا أنه قد يتحول إلى مشكلة نفسية حقيقية إذا استمر لفترات طويلة أو أصبح مُعطِّلاً لحياة الفرد اليومية

نصائح لتعزيز الصحة النفسية

يقدم الأطباء النفسيين عدد من النصائح والإرشادات التي تساعد الفرد على تعزيز الصحة، ليكون دومًا سوي النفسية والتصرفات، وهذه النصائح هي:

التواصل مع الآخرين

لتعزيز الصحة النفسية، يُعتبر التواصل الفعّال مع الآخرين من أهم العوامل، حيث يُساهم الحفاظ على علاقات اجتماعية قوية، وخاصةً مع الأشخاص الذين يُقدمون الدعم العاطفي والاجتماعي، في إثراء حياة الفرد بشكل كبير. إن تخصيص وقت وجهد للعناية بهذه العلاقات يُعزز الشعور بالانتماء والدعم، ويُقلل من الشعور بالوحدة والعزلة، وهما من العوامل التي تُؤثر سلبًا على الصحة النفسية.

بالإضافة إلى ذلك، يُمكن للتواصل الإيجابي مع الآخرين أن يُساهم في تحسين المزاج، وزيادة الثقة بالنفس، وتطوير مهارات التواصل الاجتماعي، ممّا يُؤدي في النهاية إلى تعزيز الصحة النفسية بشكل عام. ولذا، يُنصح بالاستثمار في بناء علاقات صحية ومُستدامة مع العائلة والأصدقاء والمُحيط الاجتماعي، كجزء أساسي من رعاية الصحة النفسية والوقاية من الاضطرابات النفسية المُحتملة.

تخصيص وقت للنفس للمتعة والشعور بالسعادة

لتعزيز الصحة النفسية وتحقيق التوازن العاطفي، من الضروري تخصيص وقت مُحدد ومنتظم للعناية بالنفس والاستمتاع بلحظات السعادة والراحة. يشمل ذلك تخصيص جزء من اليوم أو الأسبوع لممارسة الأنشطة والهوايات المُفضلة التي تُدخل البهجة على القلب وتُجدد النشاط، سواء كانت قراءة كتاب مُلهم، أو ممارسة الرياضة، أو الاستماع إلى الموسيقى، أو قضاء وقت ممتع مع الأصدقاء والعائلة، أو أي نشاط آخر يُشعر الفرد بالرضا والسرور.

من المهم أيضًا أن يكون الفرد تلقائيًا ومُبتكرًا في اختياراته لهذه الأنشطة، وأن يُطلق العنان لإبداعه في ابتكار طرق جديدة للاستمتاع وقضاء وقت ممتع، مما يُساهم في تعزيز الصحة النفسية بشكل عام وتحسين جودة الحياة. فالعناية بالصحة النفسية لا تقل أهمية عن العناية بالصحة الجسدية، وكلاهما يُكمل الآخر لتحقيق السعادة والرفاهية الشاملة.

بناء الثقة

لتعزيز الصحة النفسية وبناء ثقة بالنفس قوية، من المهم جداً أن يكون الفرد على دراية تامة بنقاط قوته وضعفه، وأن يسعى جاهداً لاستثمار نقاط قوته وتطويرها، وفي الوقت نفسه يعمل بجدية على مواجهة نقاط ضعفه والتغلب عليها.

هذه المعرفة الذاتية الدقيقة والجهود المبذولة لتحسين الذات تعتبر أساساً متيناً للصحة النفسية الإيجابية، حيث أن فهم الذات بشكل واضح يساعد على تقبلها كما هي، ويعزز الشعور بالكفاءة الذاتية عند النجاح في تحويل نقاط الضعف إلى فرص للنمو والتطور. وبالتالي، فإن التركيز على بناء الثقة بالنفس من خلال تحليل وتقييم نقاط القوة والضعف يساهم بشكل كبير في تعزيز الصحة النفسية الشاملة للفرد.

مشاركة الاهتمامات مع الآخرين

تُعدّ مشاركة الاهتمامات مع الآخرين من الركائز الأساسية لتعزيز الصحة النفسية، حيثُ يُمكن للأفراد الانضمام إلى التجمعات والنوادي والفرق التي تُعنى باهتمامات مُشتركة، ممّا يُساهم في بناء شعور قويّ بالانتماء إلى مُجتمع مُتفاهم ومُتقارب في الأفكار والأنشطة، هذا الشعور يُعزّز الصحّة النفسية بشكل كبير، إذ يُقلّل من الشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية، ويُوفّر مساحة آمنة للتعبير عن الذات وتبادل الخبرات والتجارب.

كما يُساعد الانخراط في هذه المجموعات على بناء علاقات اجتماعية جديدة وقوية، تُساهم بدورها في دعم الصحّة النفسية والعاطفية للأفراد، وتُساعدهم على مُواجهة تحدّيات الحياة بشكل أفضل، فالتفاعل الاجتماعي الإيجابي يُحفّز إفراز هرمونات السعادة ويُحسّن المزاج العام، ويُقلّل من مستويات التوتر والقلق، ممّا ينعكس إيجاباً على جودة الحياة بشكل عام.

التحكم في الضغوط الواقعة

تُعدّ الصحة النفسية من الجوانب الحيوية التي تؤثر في جودة حياة الفرد وقدرته على التفاعل مع مُجريات الحياة اليومية، ولأنّ الضغوط النفسية تُعتبر جزءًا لا يتجزأ من واقع الحياة، حيث يواجهها الجميع بمستويات متفاوتة، فإنّ امتلاك مهارات فعّالة لإدارة هذه الضغوط يُصبح أمرًا بالغ الأهمية للحفاظ على التوازن النفسي والعقلي.

فالقدرة على التحكم في الضغوط الواقعة علينا لا تعني بالضرورة تجنّبها بشكل كامل، بل تتضمن فهم كيفية التعامل معها بطرق صحية ومُثمرة، ممّا يُساهم في تعزيز الصحة النفسية والوقاية من المشكلات النفسية المُحتملة، حيثُ أنّ إتقان فن التعامل مع الضغوط يُمكّن الأفراد من مواجهة تحديات الحياة بثبات ومرونة، ويُجنّبهم الآثار السلبية التي قد تُخلّفها الضغوط المُستمرة على صحتهم النفسية والعقلية.

التطوع في العديد من الأنشطة المختلفة

يُعدّ التطوع في الأنشطة المتنوعة وسيلة فعّالة لتعزيز الصحة النفسية وتحسينها بشكل ملحوظ، حيث يُمكن للفرد تخصيص جزء من وقته الثمين لدعم قضية يؤمن بها إيماناً راسخاً أو يهتم بها اهتماماً بالغاً، وذلك لما للتطوع من أثر إيجابي عميق على النفس.

إنّ هذه المساهمة الفعّالة في مساعدة الآخرين تُضفي على المتطوع شعوراً جلياً بالسعادة والراحة النفسية والطمأنينة، كما تُعزّز بشكل كبير شعوره الإيجابي بذاته وقيمته في المجتمع، وتُرسّخ إحساسه بأهمية دوره ومكانته فيه، ممّا يُساهم في بناء شخصية سوية تتمتع بصحة نفسية جيدة وقادرة على مواجهة تحديات الحياة بثبات وثقة. فالتطوع إذن، يُعتبر استثماراً قيّماً في الصحة النفسية للفرد والمجتمع على حدّ سواء.


اكتشاف المزيد من عالم المعلومات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

ما رأيك بهذه المقالة؟ كن أول من يعلق

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على موقعنا. تساعدنا هذه الملفات على تذكر إعداداتك وتقديم محتوى مخصص لك. يمكنك التحكم في ملفات تعريف الارتباط من خلال إعدادات المتصفح. لمزيد من المعلومات، يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية لدينا.
قبول
سياسة الخصوصية