تاريخ السينما: كيف غيرت الأفلام الطريقة التي نرى بها العالم؟

منذ أن انبعث أول شعاع ضوء من جهاز العرض ليخلق صوراً متحركة، لم تكن السينما مجرد ترفيه. لقد كانت نافذة سحرية، وآلة زمن، ومرآة تعكس وتشكّل وعينا الجماعي.

على مدار أكثر من قرن، تحولت هذه الفكرة البسيطة إلى أقوى أشكال الفن وأكثرها تأثيراً في العصر الحديث. هذا المقال يأخذك في رحلة لاستكشاف كيف نجحت السينما في تغيير الطريقة التي نرى بها العالم من حولنا بشكل جذري.

بدأت القصة في باريس عام 1895، عندما أقام الأخوان لوميير (أوغست ولويس) أول عرض سينمائي عام مدفوع الأجر.

كان الفيلم الأول، “الخروج من مصنع لوميير”، بسيطاً للغاية: مجرد لقطة لعمال يغادرون مصنعهم. لكن بالنسبة للجمهور، كان المشهد بمثابة السحر الخالص.

تقول الأسطورة إن عرض فيلم “وصول قطار إلى محطة لاسيوتا” تسبب في حالة من الذعر، حيث هرب المتفرجون ظناً منهم أن القطار سيخرج من الشاشة ويدهسهم.

في تلك اللحظة، لم تكن السينما فناً، بل كانت أعجوبة تكنولوجية تفتح نافذة فورية على أماكن وأحداث لم يرها الناس من قبل، مما جعل العالم يبدو فجأة أصغر حجماً.

مشهد من فيلم وصول قطار إلى محطة لاسيوتا للأخوين لوميير 1895

سرعان ما أدرك الرواد أن إمكانيات هذا الاختراع تتجاوز مجرد التصوير.

الفرنسي جورج ميلييس، الساحر الذي تحول إلى مخرج، كان من أوائل الذين اكتشفوا قدرة السينما على سرد الخيال. في فيلمه الشهير “رحلة إلى القمر” (1902)، استخدم الخدع البصرية ليأخذ الجمهور في مغامرة خيالية، مؤسساً بذلك لسينما الخيال العلمي.

مع تطور السينما الصامتة، نشأت لغة بصرية عالمية. برز عمالقة مثل شارلي شابلن، الذي استطاع بشخصية “الصعلوك” أن يثير الضحك والتعاطف عالمياً، متجاوزاً حواجز اللغة.

لقد بدأت الأفلام في هذه الفترة ببناء نماذج عالمية (البطل، الشرير) وتشكيل فهمنا للقصص الأخلاقية.

كان وصول الصوت في أواخر العشرينيات بمثابة زلزال. “الأفلام الناطقة” (Talkies) أضافت بعداً جديداً من الواقعية. تبع ذلك ظهور تقنية “التكنيكولور” التي غمرت الشاشات بالألوان.

كان هذا هو العصر الذهبي لهوليوود، حيث تحولت الاستوديوهات إلى “مصانع للأحلام”. أفلام مثل “ساحر أوز” و”ذهب مع الريح” شكلت تطلعات جيل كامل وباعت “الحلم الأمريكي” للعالم.

لكن هذا العصر كشف أيضاً عن وجه السينما القاتم. خلال الحرب العالمية الثانية، أصبحت السينما أداة دعاية قوية في أيدي الحكومات (أمريكا، ألمانيا النازية، الاتحاد السوفيتي) لحشد الدعم وشيطنة العدو.

بحلول منتصف القرن، بدأ جيل جديد من المخرجين في التمرد على قواعد هوليوود.

  • في أوروبا: ظهرت حركات مثل الواقعية الإيطالية الجديدة (صورت حياة الطبقة العاملة بواقعية صادمة) والموجة الفرنسية الجديدة (كسرت القوالب السردية التقليدية).
  • في أمريكا: تزامنت هذه الموجة مع حركة الحقوق المدنية وحرب فيتنام. بدأت الأفلام تطرح أسئلة صعبة حول العنصرية والحرب والنظام القائم.

لم تعد السينما مجرد هروب من الواقع، بل أصبحت أداة لاستكشافه ونقده، وأعطت صوتاً للثقافة المضادة.

شهدت أواخر السبعينيات ظهور “الأفلام الضخمة” (Blockbusters) مع أفلام غيّرت نموذج العمل في هوليوود مثل “الفك المفترس” و”حرب النجوم”. أصبح التركيز على الإنتاجات الضخمة والتسويق العالمي.

تزامن هذا مع ثورة المؤثرات الخاصة والصور المولدة بالحاسوب (CGI)، التي سمحت بخلق عوالم مستحيلة (مثل “جوراسيك بارك” و”سيد الخواتم”).

أدت عولمة السينما لانتشار الثقافة الأمريكية، لكنها فتحت الباب أيضاً لسينمات أخرى كـ “بوليوود” و”السينما الكورية” لتحقيق شهرة عالمية، لتصبح السينما لغة عالمية مشتركة.

إن تأثير السينما على تصوراتنا أعمق مما نعتقد، ويتجلى في عدة جوانب:

  1. تشكيل تصوراتنا عن الأماكن والثقافات: بالنسبة للكثيرين، فإن الصورة الذهنية لنيويورك أو الغرب الأمريكي تشكلت بالكامل عبر الأفلام. لكن هذا قد يؤدي أحياناً لخلق صور نمطية غير دقيقة عن الثقافات الأخرى.
  2. بناء التعاطف والتفاهم الإنساني: تتيح لنا الأفلام أن نعيش تجارب مختلفة تماماً عن تجاربنا. يمكن لفيلم جيد أن يبني جسراً من التعاطف بيننا وبين شخصيات من خلفيات مختلفة، مما يعزز فهمنا للإنسانية المشتركة.
  3. التأثير على التغيير الاجتماعي والسياسي: كانت العديد من الأفلام شرارة أشعلت نقاشات عامة مهمة (مثل أفلام الحقوق المدنية، قضايا البيئة، أو الفساد)، وساهمت في زيادة الوعي والضغط من أجل التغيير.
  4. تحديد الجماليات والأسلوب (الموضة): أثرت السينما على كل شيء، من الموضة وتصفيفات الشعر إلى التصميم الداخلي. إنها تحدد ما هو “رائع” وتؤثر حتى على الطريقة التي نلتقط بها صورنا على وسائل التواصل الاجتماعي.

من الشرائط الصامتة إلى تجارب IMAX ثلاثية الأبعاد، قطعت السينما رحلة مذهلة. تطورت من فضول تقني إلى فن معقد وقوة ثقافية لا مثيل لها.

إنها أكثر من مجرد هروب؛ إنها العدسة التي من خلالها نفسر ماضينا، ونتعامل مع حاضرنا، ونتخيل مستقبلنا.

(س1) ما هو أول فيلم في التاريخ؟ يُعتبر فيلم “الخروج من مصنع لوميير” (1895) للأخوين لوميير أحد أوائل الأفلام التي عُرضت تجارياً للجمهور.

(س2) متى بدأت السينما الناطقة؟ بدأ عصر السينما الناطقة فعلياً عام 1927 مع فيلم “مغني الجاز”، الذي كان أول فيلم روائي طويل يتضمن حواراً متزامناً.

(س3) ما هو تأثير السينما على الثقافة؟ تؤثر السينما على الثقافة عبر تحديد اتجاهات الموضة، وبناء التعاطف، وتشكيل الآراء السياسية، وحتى تغيير طريقة تحدثنا. إنها تعكس قيم المجتمع وتساهم في تغييرها في نفس الوقت.


اكتشاف المزيد من عالم المعلومات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

ما رأيك بهذه المقالة؟ كن أول من يعلق

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على موقعنا. تساعدنا هذه الملفات على تذكر إعداداتك وتقديم محتوى مخصص لك. يمكنك التحكم في ملفات تعريف الارتباط من خلال إعدادات المتصفح. لمزيد من المعلومات، يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية لدينا.
قبول
سياسة الخصوصية