تعرف على أسباب ضيق الرزق وكثرة الديون

يشعر الكثيرون بوطأة ضيق الرزق وتراكم الديون، مما يُشكلّ لهم قلقاً مستمراً ويُشغلّ تفكيرهم ليلاً ونهاراً، حيث يُصبح موضوع توفير سُبل العيش الكريم وإيجاد فرص العمل الشغل الشاغل لهم. ولا شكّ أن موضوع الرزق يُعدّ من المواضيع ذات الأهمية البالغة في حياة الإنسان.

ولكن، من المهمّ أن يتذكر الإنسان أن عليه الأخذ بالأسباب المشروعة التي وضعها الله تعالى لجلب الرزق وتيسيره، مع التركيز الدائم على الهدف الأساسي من خلقه، وهو عبادة الله وحده كما قال تعالى: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”. إن مفهوم عبادة الله لا ينفصل عن طلب الرزق، بل يتحقق من خلاله عندما يسعى الإنسان لكسب رزقه بتقوى الله وباستخدام الوسائل التي شرعها.

فبعد الأخذ بالأسباب المشروعة لجلب الرزق، يجب على الإنسان أن يُحسن التوكل على الله تعالى، فهو العالم بأحوال عباده وكافل أرزاقهم جميعاً بلا استثناء، كما قال تعالى: “وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ”. لذلك، يجب على الإنسان أن يُطمئن قلبه ويحمد الله على ما رزقه، سواء كان كثيراً أو قليلاً، وإذا كان الرزق كثيراً، فلا يتباهى بنفسه ويشعر بالكبر والغرور، بل يتذكر دائماً أن الله هو الرازق وأن كل ما يملكه من وسائل وحكمة وذكاء وعمل وسعي هو من فضل الله ورزقه.

في هذا المقال، نتناول الأسباب الشائعة لظاهرة ضيق الرزق، وكيفية التغلب عليها من منظور إسلامي، لنفتح آفاقاً جديدة نحو الرزق الواسع والعيش الكريم.

أسباب ضيق الرزق

التواكل وعدم الأخذ بالأسباب

يُعدّ ضيق الرزق من المشاكل التي قد تواجه الإنسان، ومن بين أسبابها الرئيسية التواكل وعدم الأخذ بالأسباب المشروعة. ففي حين أن التوكل على الله تعالى في جميع الأمور هو من صميم عقيدة المسلم، إلا أن البعض قد يسيء فهم هذا المبدأ ليحوله إلى تواكل سلبي، أي ترك العمل والجهد والاعتماد فقط على الدعاء والتمني دون سعي حقيقي لتحصيل الرزق.

هذا المفهوم الخاطئ يتنافى بشكل واضح مع تعاليم الإسلام التي تحث على العمل وبذل الجهد والكسب الحلال. وقد صحح الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المفهوم الخاطئ في حديثه الشريف الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا”، حيث يوضح الحديث أن التوكل الحقيقي لا يعني ترك العمل، بل يعني السعي والجد مع الثقة الكاملة بأن الله هو الرزاق.

فالطير تغدو خماصًا أي جائعة في الصباح باحثة عن رزقها، ثم تعود بطانًا أي ممتلئة البطون بعد أن رزقها الله، وهذا يجسد أهمية العمل والسعي مع التوكل على الله. لذا، فإن من أراد سعة الرزق والبركة فيه عليه بالعمل الجاد والأخذ بالأسباب المشروعة مع التوكل الصادق على الله تعالى.

الغفلة عن ذكر الله تعالى

ضيق الرزق من الأمور التي تشغل بال الكثيرين، ومن أهم أسباب ضيق الرزق الغفلة عن ذكر الله تعالى، فالإنسان الذي يستغرق في ملذات الدنيا وشهواتها، وينشغل بمتع الحياة الفانية، ويبتعد عن الهدف الأساسي الذي خُلق من أجله وهو عبادة الله سبحانه وتعالى، يقع في براثن الغفلة التي تُعدّ من أبرز مُسببات ضيق الرزق.

فالعبد الذي ينصرف جلّ اهتمامه إلى تحصيل الرزق وقوت يومه، وينشغل بالبحث عن لقمة العيش، مُهملًا ذكر الله تعالى وأداء العبادات والفرائض التي فرضها الله علينا، يُعرّض نفسه لضيق الرزق وانحباس البركة، وقد حذّرنا الله تعالى من مغبة هذا الانشغال في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، ممّا يُؤكّد على أهمية ذكر الله في جلب الرزق وسعة العيش.

عدم التخطيط الكافي للكسب الصحيح

من أسباب ضيق الرزق عدم التخطيط الكافي للكسب الحلال والسعي الصحيح في طلب الرزق. فقد حثَّ الإسلام كلَّ مسلم على الأخذ بالأسباب الماديَّة المشروعة لكسب الرزق ووضع الخطط المناسبة لذلك، ومن أهمِّ جوانب هذا التخطيط اختيار العمل المناسب لقدرات ومهارات الفرد والتخطيط المُحكم لطبيعة هذا العمل وكيفية إدارته وتنميته.

فلا يُمكن للإنسان أن يُحقق النجاح المأمول في عمل لا يميل إليه أو لا يتناسب مع إمكانياته، ممَّا يُؤدِّي إلى ضيق الرزق وعدم البركة فيه. وقد تجلَّى هذا المفهوم في توجيه النبي -صلى الله عليه وسلم- لشابٍّ عاطل عن العمل لا يجد ما يُناسبه، حيث أرشده قائلاً: “لأن يَحتطبَ أَحَدُكمْ حُزمةً على ظَهرهِ, خيرٌ لهُ منْ أنْ يَسألَ أحداً فيُعطِيَه أو يَمنعه”، مُعلِّمًا إيَّاه أهمية بذل الجهد في أيِّ عمل مُتاح ومُناسب لقدراته لكسب رزقه بطريقة شريفة، بدلاً من الاعتماد على سؤال الناس، ممَّا يُساهم في تجنُّب ضيق الرزق وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

أكل الرّبا

الربا ليس فقط مُحرّماً بنصّ القرآن الكريم، بل يُمثّل أيضاً تهديداً حقيقياً لاستقرار المجتمع وأمنه، حيث يُؤدّي إلى تفكك الروابط الإنسانية وانتشار الأنانية والجشع. إنّ التعامل بالربا، سواء في المعاملات المالية أو البيوع التجارية، يُعتبر سبباً رئيسياً في محق البركة ونقص الرزق، كما ورد في قوله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّـهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ).

فالآية الكريمة تُوضّح بجلاء أنّ الله تعالى يَمحقُ مالَ المرابي، أي يُذهِبُ بركته ونماءه، بينما يُباركُ في الصدقات ويُنمّيها. لذلك، فإنّ الابتعاد عن الربا وتجنّبه في جميع أشكاله وصوره يُعتبر من أهمّ الوسائل لجلب البركة وسعة الرزق، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للفرد والمجتمع على حدّ سواء.

الذنوب والمعاصي

يُعدّ ارتكاب الذنوب والمعاصي من أبرز وأخطر أسباب ضيق الرزق وانحسار البركة فيه، حيث يُبتلي الله تعالى العباد الذين ينتهكون أوامره لعلّهم يثوبون إليه وينيبون، مصداقًا لقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

فالذنوب والمعاصي، التي هي من فعل الإنسان وكسبه، تُعدّ سببًا رئيسًا في فساد الأحوال واضطرابها، ومن صور هذا الفساد ضيق الرزق وشحّه، وقد ورد عن العباس بن المطلب قوله المأثور: “ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة”، ممّا يُشير إلى أنّ الابتلاءات، ومنها ضيق الرزق، هي وسيلة من الله تعالى لردّ العباد إليه وحثّهم على التوبة والاستغفار، كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ* وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ}.

فالذنوب والمعاصي تُعتبر من أسباب حجب الرزق وتضييقه على العباد، وقد ورد في الحديث الشريف: “إنَّ الرجلَ ليُحرمُ الرِّزقَ بالذنبِ يُصيبُهُ”، ممّا يؤكد على أهمية الابتعاد عن المعاصي والتوبة منها لجلب الرزق والبركة.

عدم شكر الله تعالى على نعمه

من أهم أسباب ضيق الرزق وعدم سعة العيش هو عدم شكر الله تعالى على نعمه التي لا تُحصى، فالإنسان المؤمن الحقّ يجب أن يرسّخ في قلبه يقينًا راسخًا بأنّ الله وحده هو الواهب والمعطي، وأنّه هو الرزاق ذو القوة المتين، وأنّ الأرزاق جميعها، صغيرها وكبيرها، تأتي بإرادته ومشيئته لا بقوة العباد وحيلتهم.

فالأسباب التي يُهيّئها الله تعالى لعباده ما هي إلا صور وأشكال من رزقه وكرمه، فمن ينسب الرزق إلى نفسه وقوته وفطنته، ويتعالى على الناس بما آتاه الله من فضله، ويتباهى بما يملك ناسياً أو متناسياً أنّ الفضل كله لله، ثمّ لا يشكر الله تعالى على جزيل عطائه وعظيم نعمائه، فإنّه بذلك يكون قد جحد نعمة الله وكفر بها، وجحود النعم من أسباب زوالها وعدم البركة فيها، فالله تعالى لا يُبارك في رزق من لا يشكره، بل قد يسلبه إياه جزاءً لكفره ونكرانه، فالشكر قيد النعمة، به تُحفظ وتُزاد.

ترك الفرائض

يعتبر ترك الفرائض من أهم أسباب ضيق الرزق، حيث أمر الله عز وجل عباده بطاعته وافترض عليهم عبادات وأعمالا، مطالبا إياهم بالامتثال لأوامره، كإقامة الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وإيتاء زكاة المال وبر الوالدين، وغيرها من الفرائض التي تعد ركائز أساسية في دين الإسلام، فمن لا يلتزم بتلك العبادات التي شرعها الله فإنه يعرض نفسه لحرمان الخير والرزق كنتيجة طبيعية لإعراضه عن طاعة الله.

وقد قال تعالى في كتابه الكريم: {فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوفَ يَلقَونَ غَيًّا* إِلّا مَن تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولـئِكَ يَدخُلونَ الجَنَّةَ وَلا يُظلَمونَ شَيئًا}، مما يشير إلى أن طاعة الله عز وجل واتباع أوامره هما من أهم أسباب البركة في الرزق وسعة العيش، فكيف يرجو العبد سعة الرزق وبركته وهو معرض عن طاعة خالقه ومتجاهل لأوامره؟ إن الالتزام بالفرائض هو مفتاح لجلب الخيرات ودفع المضرات وجلب البركة في الرزق.

عقوق الوالدين

يُعدّ عقوق الوالدين من الكبائر الموبقة والذنوب العظيمة التي تُجلب لصاحبها العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، حيث ورد في الحديث النبوي الشريف ما يُشير إلى أن الله تعالى يُعجّل جزاء بعض الذنوب في الدنيا، ومن بينها عقوق الوالدين، فيُعاقب العاقّ في حياته قبل مماته، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: “كلُّ الذُّنوبِ يُؤخِّرُ اللهُ منها إلى يومِ القيامةِ إلَّا عقوقَ الوالدَيْن فإنَّ اللهَ يُعجِّلْه لصاحبِه في الحياةِ قبل المماتِ” وقد توعّد النبيّ صلى الله عليه وسلم من يعقّ والديه بالعذاب في الدنيا.

ومن صور هذا العذاب ونتائجه المترتبة على فعل العقوق: ضيق الرزق وشظف العيش وقلة البركة فيه، فيكون العاقّ مُعرّضًا لمصاعب مالية وضيق في سُبل كسب الرزق، بينما يُعتبر برّ الوالدين من أعظم الطاعات وأجلّ القربات التي تُجلب لصاحبها الخير والبركة والسعة في الرزق، فيكون البارّ مُنعمًا بسعة الرزق وانفتاح أبواب الخير واليُمن والبركات عليه بفضل طاعته لوالديه.

قطيعة الرحم

يُعدُّ ضيق الرزق من الأمور التي تشغل بال الكثيرين، وقد بيّن الإسلام أسبابًا لجلب الرزق وسعته، كما بيّن أسبابًا أخرى قد تؤدي إلى ضيقه ونقصانه، ومن أهم هذه الأسباب قطيعة الرحم؛ حيث جعل الإسلام صلة الرحم سببًا من أسباب البركة في الرزق والعمر، مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “مَن سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، أوْ يُنْسَأَ له في أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ”، ما يعني أن قطيعة الرحم تُعدُّ من أسباب منع وتضييق الرزق، وهي سنة ربانية ثابتة، وقد يلجأ البعض لتبرير قطيعتهم لأرحامهم بحجة أن أرحامهم يبادلونهم القطيعة.

إلّا أنّ هذا ليس عذرًا مقبولًا لقطع صلة الرحم، بل على المسلم أن يحرص دائمًا على صلة رحمه، حتى وإن قوبل بالقطيعة من أقاربه، مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ليسَ الواصِلُ بالمُكافِئِ، ولكِنِ الواصِلُ الذي إذا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وصَلَها”، ممّا يؤكد أهمية صلة الرحم في جلب الرزق والبركة، وأنّ قطيعتها تُعدُّ من أسباب ضيق الرزق ونقص البركة في العمر.


اكتشاف المزيد من عالم المعلومات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

ما رأيك بهذه المقالة؟ كن أول من يعلق

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على موقعنا. تساعدنا هذه الملفات على تذكر إعداداتك وتقديم محتوى مخصص لك. يمكنك التحكم في ملفات تعريف الارتباط من خلال إعدادات المتصفح. لمزيد من المعلومات، يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية لدينا.
قبول
سياسة الخصوصية