في أعماق التاريخ الإسلامي، تبرز ليلة فريدة، ليلة أُسري بنبي الأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وعُرج به إلى السماوات العُلى في رحلة عُرفت بـ”الإسراء والمعراج”. هذه الرحلة ليست مجرد حدث عابر في سيرة النبي الكريم، بل هي علامة فارقة تجسد عظمة الخالق وقدرته، وتكريمًا خاصًا لنبيه المصطفى في أحلك الظروف.
إنها ليلة تجتمع فيها الأرض بالسماء، ويتجلى فيها الارتباط الوثيق بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وتُفرض فيها أعظم الفرائض – الصلاة – في أعلى عليين. فلنتعمق سويًا في تفاصيل هذه الرحلة المباركة، مستكشفين تعريفها وأسباب وقوعها وأبرز أحداثها، وصولًا إلى الدروس والعبر المستفادة التي لا تزال تُضيء لنا دروبنا حتى يومنا هذا.
تعريف الإسراء والمعراج
عند الحديث عن ليلة الإسراء والمعراج، فإننا نتناول شقين متلازمين لرحلة واحدة مباركة. الإسراء يُعرف بأنه الانتقال الليلي المعجز الذي قام به النبي محمد صلى الله عليه وسلم بصحبة جبريل عليه السلام، حيث انطلقا من البيت الحرام في مكة المكرمة وصولًا إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس على دابة البراق.
أما المعراج، فهو الصعود الذي تلى الإسراء مباشرة، حيث ارتقى النبي وجبريل من بيت المقدس إلى السماوات العلا، ليبلغوا مراتب لم يبلغها بشر من قبل.
إن وقوع هذه الحادثة المباركة ثابت بنصوص قطعية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، بالإضافة إلى شهادات الصحابة الكرام الذين آمنوا بها وصدقوا بها النبي صلى الله عليه وسلم. هذه الرحلة هي في جوهرها تكريم إلهي عظيم من الله سبحانه وتعالى لنبيه الكريم، وبرهان قاطع على صدق نبوته وعلو منزلته عنده عز وجل.
أسباب رحلة الإسراء والمعراج
لم تكن رحلة الإسراء والمعراج حدثًا عشوائيًا، بل كانت تحمل في طياتها العديد من الأسباب والدلالات العميقة التي تبرز حكمة الله ورحمته بنبيه. من أبرز هذه الأسباب:
- تخفيف آلام وأحزان النبي صلى الله عليه وسلم: لقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بفترة عصيبة قبل هذه الرحلة، حيث اشتد أذى قومه له وبلغ مبلغًا عظيمًا. كانت هذه الرحلة بمثابة بلسم لجراحه وتخفيف لأحزانه، لتجديد قوته الروحية والعزيمة على مواصلة دعوته.
- إعلاء شأن النبي صلى الله عليه وسلم وإكرامه: كانت هذه الرحلة السماوية إظهارًا لمكانة النبي الرفيعة عند الله عز وجل، وتكريمًا له لم يسبقه إليه أحد من الأنبياء والمرسلين. إن وصوله إلى مراتب لم يصلها ملك مقرب هو دليل قاطع على فضله وعظمته.
- إيناس النبي صلى الله عليه وسلم وتسليته وتعريفه بمنزلته: كانت الرحلة بمثابة مؤنس للنبي في خضم الصعاب، وتسلية لقلبه بعد ما لاقاه من تكذيب وإيذاء. كما كانت تعريفًا له بمنزلته العظيمة وقدره الرفيع عند الله سبحانه وتعالى، مما زاده يقينًا وثباتًا على الحق. لقد كانت هذه الرحلة بمثابة فضل عظيم ومنحة ربانية له صلى الله عليه وسلم، ليبدأ بعدها مرحلة جديدة من دعوته المباركة وهو أكثر قوة وثباتًا.
- تعويض النبي صلى الله عليه وسلم عما لاقاه من أهل الطائف: بعد أن لقي النبي صلى الله عليه وسلم صدًا وتكذيبًا وأذى شديدًا من أهل الطائف، جاءت هذه الرحلة كتعويض إلهي له عما أصابه. وقد قال الله تعالى في ذلك: {ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا}، ليؤكد أن فضل الله على نبيه عظيم وكافٍ.
- إعلام النبي صلى الله عليه وسلم بآيات الله تعالى العظيمة: كانت رحلة الإسراء والمعراج فرصة للنبي صلى الله عليه وسلم ليشاهد آيات الله الكبرى وعجائب ملكوته. قال تعالى عن رحلة الإسراء: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا}، وقال عن رحلة المعراج: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى}. هذه المشاهدات العظيمة كانت لتقوية يقينه وزيادة قدرته على مواجهة مصاعب الدعوة التي كانت تعترض طريقه. لقد رأى الأنبياء والمرسلين، وشاهد بعض مشاهد الجنة والنار، وغير ذلك الكثير من الآيات التي ترسخ الإيمان في قلبه.
توقيت رحلة الإسراء والمعراج
اختلف علماء السير في تحديد الزمن الدقيق لرحلة الإسراء والمعراج، ولكن أشهر الأقوال هو ما أورده الزهري، الذي ذكر أنها كانت قبل الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة بسنة واحدة. وقد وقعت هذه الرحلة بعد معاناة النبي صلى الله عليه وسلم من رحلته إلى الطائف وما لاقاه فيها من أذى.
وبناءً على هذا القول المشهور، فإن ليلة الإسراء والمعراج كانت في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب من السنة الثانية عشرة للبعثة النبوية. وعلى الرغم من اختلاف الآراء حول التوقيت الدقيق، فإن أهمية هذه الليلة ومكانتها في التاريخ الإسلامي تبقى ثابتة ولا يختلف عليها أحد.
أحداث ليلة الإسراء والمعراج
تضمنت ليلة الإسراء والمعراج أحداثًا عظيمة ومعجزات باهرة تدل على قدرة الله وعظيم فضله على نبيه صلى الله عليه وسلم. يمكن تلخيص أبرز هذه الأحداث فيما يلي:
- التجهيز لرحلة الإسراء والمعراج: كما ورد في صحيح الإمام البخاري رحمه الله، بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم مستلقيًا على ظهره في بيت أم هانئ، انفرج سقف البيت ونزل منه ملكان على هيئة بشر. أخذه الملكان إلى الحطيم عند زمزم، ثم شقا صدره الشريف وأخرجا قلبه الطاهر وغسلاه بماء زمزم، وملآه بالإيمان والحكمة. والحكمة من هذا الإجراء المعجز كانت تهيئة النبي صلى الله عليه وسلم لما سيشاهده في رحلته، وإعداده من الناحية اليقينية والروحية لتقبل هذه التجليات العظيمة. وقد علق الحافظ ابن حجر على ذلك بقوله: “وجميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك”.
- ركوب البراق والإسراء إلى المسجد الأقصى: بعد هذا التطهير الروحي، جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدابة البراق، وهي دابة وصفها بأنها أصغر من الفرس وأكبر من الحمار، وكانت تضع حافرها عند منتهى طرفها، أي أنها كانت تقطع المسافات الشاسعة بخطوات قليلة تصل إلى مد البصر. عندما ركبها النبي صلى الله عليه وسلم في البداية لم يثبت عليها، حتى قال له جبريل عليه السلام أن يثبت، وأخبره بأنه لم يركبها أحد خير منه، فثبت النبي صلى الله عليه وسلم وتصبب عرقًا، ثم انطلقت بهما دابة البراق بسرعة فائقة إلى بيت المقدس.
- العروج إلى السماء: من بيت المقدس، بدأ المعراج بالنبي صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام إلى السماء الدنيا. هناك رأى النبي آدم عليه السلام، الذي رحب به ورد عليه السلام، وأراه أرواح الشهداء عن يمينه وأرواح الأشقياء عن يساره. ثم صعد إلى السماء الثانية، حيث رأى يحيى وعيسى عليهما السلام وسلم عليهما. وفي السماء الثالثة رأى يوسف عليه السلام، وفي السماء الرابعة رأى إدريس عليه السلام، وفي السماء الخامسة رأى هارون عليه السلام، وفي السماء السادسة رأى موسى عليه السلام. وفي السماء السابعة، رأى إبراهيم عليه السلام. جميع هؤلاء الأنبياء والمرسلين كانوا يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم ويقرون بنبوته.
- الوصول إلى سدرة المنتهى ولقاء الله وفرض الصلاة: بعد تجاوز السماوات السبع، صعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى والبيت المعمور، ثم صعد فوق السماء السابعة حيث كلمه الله سبحانه وتعالى مباشرة، وفرض عليه في البداية خمسين صلاة في اليوم والليلة. بقي النبي صلى الله عليه وسلم يراجع ربه ويسأله التخفيف حتى جعلها الله عز وجل خمس صلوات. وفي هذه الرحلة المباركة، عُرض على النبي صلى الله عليه وسلم اللبن والخمر، فاختار اللبن، فقيل له إنه أصاب الفطرة. كما رأى أنهار الجنة، اثنان ظاهران واثنان باطنان، ورأى خازن النار – مالك – ورأى آكلة الربا وآكلة أموال اليتامى ظلمًا، وغير ذلك الكثير من المشاهدات العظيمة التي لا يمكن حصرها.
دروس مستفادة من رحلة الإسراء والمعراج
تحمل رحلة الإسراء والمعراج في طياتها الكثير من الدروس والعبر المستفادة التي لا تزال ذات أهمية بالغة للأمة الإسلامية حتى يومنا هذا. من أبرز هذه الدروس:
- تعويض الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: كانت الرحلة بمثابة تعويض إلهي للنبي صلى الله عليه وسلم عن صد الناس عنه، خاصة بعد الأذى الذي لحقه من أهل الطائف ومنعه من دخول المسجد الحرام إلا بجوار مطعم بن عدي. فكافأه الله تعالى بفتح أبواب السماء له وترحيب أهلها به.
- تعزية ومواساة من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: جاءت هذه الرحلة كتعزية ومواساة من الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد وفاة زوجته خديجة رضي الله عنها وعمه أبي طالب، اللذين كانا سندًا له في بداية دعوته. فأكرمه الله برؤية آياته الكبرى وأمور أخرى عظيمة.
- فتنة الناس وامتحانهم: كانت حادثة الإسراء والمعراج فتنة وامتحانًا للناس، حيث ظهر المؤمن الصادق من المكذب الجاحد. الذهاب إلى بيت المقدس في تلك الفترة كان يستغرق شهرين ذهابًا وإيابًا، فاستغرب الكثيرون هذه الرحلة الليلية المعجزة. ومنذ ذلك الحين، سُمي أبو بكر رضي الله عنه بالصديق لتصديقه للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه المعجزة العظيمة.
- بيان صدق النبي صلى الله عليه وسلم: بعد عودته صلى الله عليه وسلم، وصف للناس بيت المقدس وصفًا دقيقًا لم يستطع أحد من البشر وصفه بمثل هذا التفصيل، مما كان دليلًا قاطعًا على صدق نبوته وأنه رأى ما وصفه حقًا.
- بيان أهمية الصلاة ومكانتها: من أعظم الدروس المستفادة من هذه الرحلة هو بيان أهمية الصلاة ومكانتها العظيمة في الإسلام، حيث إنها الفريضة الوحيدة التي فرضت في السماء مباشرة من الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم، مما يدل على عظم شأنها وقربها من الله.
- الدلالة على أهمية المسجد الحرام والمسجد الأقصى: تربط رحلة الإسراء والمعراج بين المسجد الحرام في مكة والمسجد الأقصى في بيت المقدس، مما يدل على أهمية هذين المسجدين ومكانتهما المقدسة في الإسلام، وأنهما قائمان على أساس التوحيد والإخلاص لله عز وجل.
إن ليلة الإسراء والمعراج ستبقى صفحة مشرقة في تاريخ النبوة، تحمل في طياتها معجزات عظيمة ودروسًا قيمة تستلهم منها الأمة الإسلامية العبر والعظات على مر العصور.
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.