سورة الشمس، وهي سورة مكية قصيرة مؤلفة من خمس عشرة آية نزلت بعد سورة القدر، تتميز بعدة خصائص فريدة تجعلها ذات أهمية خاصة في القرآن الكريم. تتسم هذه السورة بوحدة قافيتها القرآنية، مما يضفي عليها إيقاعاً موسيقياً مميزاً، كما أنها تتناول مجموعة متنوعة من المواضيع الهامة، بدءاً من مظاهر الحياة اليومية وظواهر الكون الفسيح، مروراً باللمسات الوجدانية التي تخاطب النفس البشرية، وصولاً إلى الحديث عن فطرة الإنسان ودوره المحوري في تحديد مصيره.
تتطرق السورة أيضاً إلى المشاهد الناتجة عن فجور النفس وعدم تزكيتها، حيث تُقدم قصة قوم ثمود كنموذج وعبرة، كما تُشير إلى مشاهد الكون الثابتة كإشراق الشمس وتعاقب الليل والنهار، وهما آيتان من آيات الله الدالة على عظمته وقدرته.
بالإضافة إلى ذلك، تتميز سورة الشمس بعلاقتها الوثيقة بسورتي البلد والليل المجاورتين لها في ترتيب المصحف؛ فسورة البلد تُقدم أصحاب الميمنة والمشأمة، الذين يُشير إليهم قوله تعالى في سورة الشمس: “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا”، بينما تُفصّل سورة الليل معاني هاتين الآيتين، حيث يُعتبر قوله تعالى: “فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى” تفصيلاً لقوله: “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا”، وقوله تعالى: “وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى” تفصيلاً لقوله: “وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا”، مما يُظهر ترابطاً وتكاملاً بين هذه السور الثلاث في عرض موضوع تزكية النفس البشرية ومصيرها.
أين نزلت سورة الشمس؟
سورة الشمس، وهي إحدى السور المكية التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، كما ورد عن عبد الله بن عباس وذكره سليم الهلالي في كتابه “الاستيعاب في بيان الأسباب”، وكذلك ما ذكره النووي في كتابه “جزء فيه ذكر اعتقاد السلف في الحروف والأصوات” حيث أكد أنها من بين خمس وثمانين سورة وآية نزلت بمكة.
تتألف سورة الشمس من خمس عشرة آية، وقد نزلت بعد سورة القدر التي بدورها نزلت بعد سورة عبس. وتجدر الإشارة إلى أن سورة عبس نزلت في فترة زمنية مهمة بين هجرة الصحابة رضوان الله عليهم إلى الحبشة وحادثة الإسراء والمعراج، ما يعني أن نزول سورة الشمس كان في نفس تلك الحقبة الزمنية تقريبًا. وعلى الرغم من أن سورة الشمس تأتي في الترتيب القرآني قبل سورة الليل، إلا أن سورة الليل نزلت قبلها، ويرجح أن الفاصل الزمني بين نزول السورتين يقدر بنحو ست عشرة سورة، مما يوضح التسلسل الزمني التقريبي لنزول هذه السور المكية.
سبب نزول سورة الشمس
لم يُذكر في المصادر المعتمدة لأسباب نزول القرآن الكريم، ككتاب “لباب النقول في أسباب النُّزول” للإمام السيوطي، أو في كتب التفسير المشهورة والمعتمدة كـ “التفسير الوسيط” للطنطاوي، أو “تفسير مجاهد” لمجاهد بن جبر، أو “تفسير السعدي” لعبد الرحمن السعدي، أي رواية أو حديث صحيح يُبين سببًا مُحددًا لنزول سورة الشمس.
هذا يعني أنه لا يوجد نص قطعي أو رواية ثابتة تُحدد ظرفًا تاريخيًا أو حدثًا مُعينًا استدعى نزول هذه السورة، ممّا يدفع العلماء إلى القول بأنَّ سبب نزولها، بمعناه الاصطلاحي الدقيق في علم التفسير، غير مُحدد بشكل قاطع، والله تعالى أعلم بأسباب تنزيل كتابه الكريم وحكمته فيها.
ما سبب تسمية سورة الشمس بهذا الاسم؟
سُمّيت سورة الشمس بهذا الاسم إشارةً إلى عظمة هذا المخلوق الإلهي الذي أقسم به الله تعالى في مطلعها، حيث ورد ذكر “الشمس” ككلمة مفتاحية بارزة فيها، ممّا ميّزها عن غيرها من سور القرآن الكريم. وقد وردت تسمية “سورة الشمس” في مُعظم كتب التفسير، كما ذكرها الطاهر ابن عاشور في “التحرير والتنوير” دون إضافة حرف الواو قبلها، وأوردها الترمذي في “جامع الترمذي” وابن العربي في “عارضة الأحوذي” بنفس الاسم.
بينما أوردها الإمام البخاري في صحيحه باسم “والشمس وضحاها” نسبةً إلى الآية الأولى من السورة {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}، وكان هذا الاسم من أوائل ما أُطلق عليها لتمييزها عن سورة التكوير التي تبدأ بقوله تعالى {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}، ممّا يُجنّب الخلط بينهما، مع الإشارة إلى أنَّ كتاب الإتقان لم يذكرها ضمن السور التي لها أكثر من اسم.
فوائد سورة الشمس
إنّ لسورة الشمس فوائد ولطائف عديدة، نذكر منها ما يأتي:
- أقسم الله -تبارك وتعالى- فيها 11 قسماً، وهذا أكبر عدد من الأقسام، والتي ترد في سورة واحدة؛ وذلك لعظم المقسوم عليه وهي: النفس التي تتزكى، وخيبة النفس التي تتدسى.
- ذكر قصة ثمود دون غيرهم من الأقوام السابقة، وذلك لبيان أنَّ الله -تبارك وتعالى- بيّن لهم الحق، وأراهم إياه واضحاً كوضوح الشمس، والتي جاءت السورة في الحديث عنه، لكنهم تجبّروا وطغوا، واستحقّوا العذاب بذلك، في قوله -تبارك وتعالى-: (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا)، نسب الفعل إلى الجميع لرضاهم بهذا الفعل، وسكوتهم عنه.
- العلاقة بين الشمس وتزكية النفس، هي الإشراق؛ فكما أنَّ للشمس إشراق، فإنَّ للنفس نور وإشراق.
- إرجاع سبب عدد من الظواهر إلى الشمس، وذلك في قوله -تبارك وتعالى-: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا* وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا* وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا* وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا)، فنور القمر وجلاء النهار واشتداد الضحى ومغيب الشمس وحدوث الليل، كله مرتبط بالشمس وضيائها.
- كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَن زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا)، وهذا الدعاء مستخلص من الآيات الكريمة، وطلب التزكية من المولى -عز وجل-.
فضل سورة الشمس
لم يرد عن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أحاديث مخصوصة صحيحةً في فضل سورة الشمس، ولكنّ لقارئها ما لقارئ باقي السّور في القرآن الكريم من فضل، وقد وردت عن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بعض الأحاديث غير الصّحيحة في فضل هذه السّورة، ومن ذلك:
- عن سلمانَ الفارسيّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ صَلَّى يَوْمَ الْفطر بعد مَا يُصَلِّي عِيدَهُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسبح اسْم رَبك الأعلى، وفى الثَّانِيَة بالشمس وَضُحَاهَا، وفى الثَّالِثَة وَالضُّحَى، وَفِي الرَّابِعَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَكَأَنَّمَا قَرَأَ كُلَّ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنْبِيَائِهِ، وَكَأَنَّمَا أَشْبَعَ جَمِيعَ الْيَتَامَى وَدَهَنَهُمْ وَنَظَّفَهُمْ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَيُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُ خَمْسِينَ سَنَةً”، وهَذَا الحَدِيث موضوعٌ على النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وفي رواتِه مجهولون.
- عن أبيّ بن كعبٍ -رضي الله عنه- أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “مَن قرأَها فكأَنَّما تصدّق بكلّ شيء طلعت عليه الشمس والقمر”، وهذا حديثٌ لا يصحّ أن يُنسبَ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
- عن عليّ بن أبي طالبٍ -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّمَ- قال: “يا علىّ مَن قرأَ {والشَّمْسِ وَضُحَاهَا} فكأَنَّما قرأَ الزَّبور، وله بكلّ آية قرأَها ثواب مَن صلَّى بين الرّكن والمقام أَلفَ ركعة”، وهذا حديث مردود لا يصح.
هل ورد فضل مخصوص لسورة الشمس في قضاء الحاجة؟
لم يرد في السنة النبوية المطهرة حديث صحيح يخصص سورة الشمس بفضل معين لقضاء الحاجة أو غيرها من الأمور الدنيوية، فهي كباقي سور القرآن الكريم، كلام الله المنزل، وقراءتها عبادة يثاب عليها المسلم، حيث يحصل القارئ على الأجر والثواب الجزيل من الله تعالى لقراءته وتدبره آيات القرآن عمومًا، بما في ذلك سورة الشمس، وكل ما يُنسب إليها من فضائل خاصة أو أسرار لقضاء الحاجات لم يثبت بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل وردت في ذلك أحاديث ضعيفة لا يعتمد عليها في تخصيص فضل للسورة، فالمعيار في فضل السور هو ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم.
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.