الغش والخداع من أخطر الآفات التي تدمر الثقة بين الناس. وقد حسم الإسلام هذا الأمر بعبارة نبوية قاطعة ومزلزلة: “مَن غشَّنا فليسَ مِنَّا”.
هذا الحديث ليس مجرد تحذير، بل هو براءة نبوية من سلوك الغشاشين. في هذا المقال، نستعرض قصة هذا الحديث، ومعناه الدقيق، وصور الغش في حياتنا اليومية.
قصة الحديث
ورد هذا الحديث في موقف عملي حدث للنبي -صلى الله عليه وسلم- في السوق، ليعلمنا درساً في الأمانة.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرَّ على صُبْرَةِ طعام (كومة طعام معروضة للبيع)، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً (وجد طعاماً مبلولاً ومفسوداً مخفياً في الأسفل).
- فقال النبي: ((ما هذا يا صاحِبَ الطَّعامِ؟)).
- قال البائع: أصابَتْهُ السَّماءُ (المطر) يا رَسولَ اللهِ.
- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعامِ كَيْ يَراهُ النَّاسُ؟ مَن غَشَّ فليسَ مِنِّي)). [رواه مسلم]
ما معنى “فليس منا”؟
هذه العبارة قد تثير القلق: هل تعني أن الغشاش كافر أو خارج من الإسلام؟
- التفسير الصحيح: معنى “ليس منا” أي ليس على هدينا، ولا على طريقتنا، ولا يتبع أخلاقنا الكاملة.
- كما أوضح الفقهاء (مثل ابن رشد): الغشاش، وإن كان مسلماً، إلا أنه انحرف عن منهج النبي وسلك طريق المنافقين والمخادعين.
- الخلاصة: الغش كبيرة من الكبائر، ولكنه لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام (لا يكفر)، لكنه يضعه في موقف خطير من البعد عن سنة النبي.
أنواع وصور الغش
الغش لا يقتصر على التاجر، بل يشمل كل من خان الأمانة في موقعه:
1. الغش التجاري (في البيع والشراء)
هو أشهر الأنواع، ويشمل:
- إخفاء عيوب السلعة (كما في قصة الحديث).
- التلاعب في الميزان والمكيال.
- تغيير تاريخ الصلاحية أو بلد المنشأ.
- حلف الأيمان الكاذبة لترويج السلعة.
2. غش الراعي لرعيته (المسؤولية)
وهو من أعظم أنواع الغش. يشمل الحاكم مع شعبه، والمدير مع موظفيه، وحتى الأب مع أسرته إذا قصر في تربيتهم ونصحهم.
- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ما مِن عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وهو غاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عليه الجَنَّةَ)).
3. الغش في النصيحة
إذا استشارك أخوك المسلم في أمر (زواج، عمل، شراء)، وأشرت عليه بغير ما تراه خيراً، أو أخفيت عنه الحقيقة، فهذا غش وخيانة للأمانة.
4. الغش في القول (شهادة الزور)
وهو تزييف الحقائق في المحاكم أو المجالس لإلحاق الضرر بالآخرين أو نفعهم بالباطل. وعدّه النبي من أكبر الكبائر (قول الزور وشهادة الزور).
الحكم الشرعي للغش
اتفق جمهور الفقهاء على أن الغش حرام شرعاً بكل صوره وأشكاله، وهو من الكبائر.
- أثر الغش: المال المكتسب من الغش هو مال سحت (حرام)، منزوع البركة، ولا يُستجاب دعاء صاحبه (لأن مطعمه حرام).
- عقوبته: يستحق الغشاش العقوبة في الدنيا (التعزير) والعذاب في الآخرة، إلا أن يتوب ويرد الحقوق لأهلها.
أسئلة شائعة حول حديث الغش
(س1) هل الغش في الامتحانات الدراسية يدخل في الحديث؟ نعم، وبشدة. الغش في الامتحانات هو تزوير للمستوى الحقيقي، ويؤدي إلى حصول الطالب على شهادة أو وظيفة لا يستحقها، مما يضر بالمجتمع كله (طبيب غشاش، مهندس فاشل). فهو داخل في عموم قوله: “من غشنا”.
(س2) هل يخرج الغشاش من الإسلام؟ لا، الغشاش مسلم عاصٍ مرتكب لكبيرة، لكنه لا يكفر بذلك إلا إذا استحل الغش (قال إن الغش حلال).
(س3) ما هي التوبة من الغش المالي؟ التوبة من الغش المالي تتطلب:
- الإقلاع عن الذنب والندم عليه.
- رد الحقوق لأصحابها: إذا باع سلعة معيبة، يجب أن يعوض المشتري أو يستردها. إذا لم يعرف أصحاب الحق، يتصدق بالمبلغ الحرام بنية التخلص منه.
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.







