ضعف التركيز عند الأطفال وكيفية علاجه

يعاني شريحة واسعة من الأطفال، تحديدًا في الفئة العمرية بين أربع سنوات واثنتي عشرة سنة، من مشكلة ضعف التركيز والانتباه، وهي حالة قد تُعزى إلى عوامل نفسية أو تربوية متعددة، وتظهر هذه المشكلة بنسبة أكبر لدى الذكور مقارنة بالإناث، مما يؤثر سلبًا على تحصيلهم المعرفي والدراسي وقدراتهم على الاستيعاب والتفاعل مع المناهج. ولحسن الحظ، تتوفر حلول واستراتيجيات متنوعة يمكن للوالدين، وبالأخص الأم والأب، اتباعها لمساعدة أطفالهم على تجاوز هذه الصعوبات وتحسين مستوى تركيزهم وانتباههم، وبالتالي تعزيز أدائهم الدراسي وتطورهم المعرفي.

أسباب ضعف التركيز لدى الأطفال

يُعدّ ضعف التركيز أو تشتت الانتباه من المشكلات الشائعة التي تواجه الأطفال في مراحل نموهم المختلفة، ممّا يؤثر سلبًا على أدائهم الدراسي، علاقاتهم الاجتماعية، وحتى سلوكهم اليومي.

من المهم فهم الأسباب الكامنة وراء هذه المشكلة للتمكن من التعامل معها بفعالية وتقديم الدعم المناسب للطفل. فيما يلي، نتناول بالتفصيل أبرز أسباب ضعف التركيز عند الأطفال:

1. العوامل الأسرية والاجتماعية:

  • نقص الترابط الأسري: يُعتبر غياب الترابط العاطفي والاجتماعي داخل الأسرة، وعدم وجود بيئة منزلية مستقرة وداعمة، من العوامل المؤثرة سلبًا على تركيز الطفل. فالشعور بالإهمال أو عدم الانتماء قد يُشتت انتباه الطفل ويُضعف قدرته على التركيز في المهام المختلفة.
  • التأثير السلبي لوسائل الإعلام والتكنولوجيا: يُؤدّي الإفراط في مشاهدة الرسوم المتحركة، وقضاء ساعات طويلة أمام شاشات الحاسوب والأجهزة الذكية، والانغماس في الألعاب الإلكترونية، إلى تشتت انتباه الطفل وضعف قدرته على التركيز لفترات طويلة. تُحفّز هذه الوسائل الدماغ بشكل سريع ومستمر، ممّا يُصعّب على الطفل التركيز في الأنشطة التي تتطلب جهدًا ذهنيًا أطول.

2. العوامل النفسية والعاطفية:

  • الخوف والقلق: يُمكن أن يُؤدّي شعور الطفل بالخوف من أمرٍ ما، سواء كان خوفًا من العقاب، الفشل، أو حتى الخوف من أشياء غير ملموسة، إلى تشتت انتباهه وعدم قدرته على التركيز. يُصبح ذهن الطفل منشغلًا بمصدر خوفه، ممّا يُعيقه عن التركيز في أي شيء آخر.
  • التغيرات في ديناميكية الأسرة: قد تُؤدّي ولادة طفل جديد في الأسرة إلى شعور الطفل الأكبر بالإهمال أو الغيرة، ممّا يُؤثّر على تركيزه وانتباهه. من الضروري تهيئة الطفل لاستقبال المولود الجديد وإشعاره بأنه لا يزال محبوبًا ومُهتمًا به.
  • أساليب التربية السلبية: يُمكن أن يُؤدّي التعامل مع الأطفال بشكل سلبي، مثل الصراخ المستمر، التوبيخ، أو الانتقاد اللاذع، إلى شعورهم بالإحباط وانخفاض الثقة بالنفس، ممّا يُؤثّر سلبًا على تركيزهم وقدرتهم على التعلم.

3. العوامل الصحية والجسدية:

  • مشكلات صحية أخرى: بعض المشكلات الصحية الأخرى، مثل اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، اضطرابات النوم، أو نقص بعض الفيتامينات والمعادن، قد تُؤدّي أيضًا إلى ضعف التركيز عند الأطفال.
  • مشكلات السمع: يُمكن أن تُؤدّي مشكلات السمع، حتى البسيطة منها، إلى عدم سماع الطفل للكلام بشكل واضح وصحيح، ممّا يُؤثّر على فهمه للمعلومات وبالتالي على تركيزه. قد تصل المعلومات إلى المخ بشكل مُشوّش أو ناقص، ممّا يُعيق عملية التعلم والاستيعاب.

مظاهر ضعف التركيز لدى الأطفال

تتجلى مظاهر ضعف التركيز في مجموعة من السلوكيات والصعوبات التي يواجهها الطفل في حياته اليومية، ومن أبرز هذه المظاهر:

  • صعوبة إتمام الأنشطة والمهام: يواجه الطفل المصاب بضعف التركيز صعوبة بالغة في إكمال الأنشطة والمهام الموكلة إليه، سواء كانت واجبات مدرسية أو مهام منزلية بسيطة. قد يبدأ الطفل في النشاط بحماس، لكن سرعان ما يفقد اهتمامه وتركيزه، ما يجعله غير قادر على إتمام المهمة بشكل كامل وصحيح. هذه الصعوبة في إنجاز المهام قد تُشعره بالإحباط وتُقلل من ثقته بنفسه.
  • سرعة التشتت وعدم القدرة على التركيز: يُعدّ تشتت الانتباه من العلامات الرئيسية لضعف التركيز. يتميز الطفل المصاب بسهولة تشتت انتباهه بالمؤثرات الخارجية البسيطة، مثل الأصوات الخافتة أو الحركة الطفيفة في محيطه. هذه الحساسية للمشتتات تجعل من الصعب عليه التركيز على مهمة واحدة لفترة طويلة، ما يؤثر سلبًا على قدرته على التعلم واستيعاب المعلومات.
  • سرعة النسيان وضعف الذاكرة قصيرة المدى: يعاني الأطفال الذين يعانون من ضعف التركيز غالبًا من ضعف في الذاكرة قصيرة المدى. قد يُطلب من الطفل القيام بمهمة بسيطة، لكنه سرعان ما ينساها بعد فترة وجيزة. هذه المشكلة تُعيق قدرته على تذكر التعليمات والتوجيهات، ما يُسبب له صعوبات في المواقف المختلفة.
  • صعوبة التنظيم وعدم القدرة على إدارة الوقت: يؤدي ضعف التركيز إلى صعوبة في تنظيم المهام والأنشطة. يجد الطفل صعوبة في تحديد أولويات المهام، وتخطيط خطوات إنجازها، وإدارة وقته بشكل فعال. هذا النقص في مهارات التنظيم قد يُسبب له الفوضى والإرباك في حياته اليومية، ويُعيق قدرته على إنجاز المهام المطلوبة منه في الوقت المحدد.
  • الخمول والكسل الزائد أو فرط الحركة: في بعض الحالات، قد يترافق ضعف التركيز مع الخمول والكسل الزائد، حيث يبدو الطفل فاقدًا للطاقة والحماس لإنجاز أي شيء. في حالات أخرى، قد يظهر الطفل سلوكيات تدل على فرط الحركة والاندفاعية، مثل الحركة المستمرة وعدم القدرة على الجلوس بهدوء، والتحدث بشكل مفرط، والتسرع في اتخاذ القرارات دون تفكير.

من المهم ملاحظة أن هذه المظاهر قد تختلف في شدتها من طفل لآخر. إذا لاحظت ظهور هذه الأعراض على طفلك بشكل مستمر، فمن الضروري استشارة متخصص لتقييم حالته وتقديم الدعم المناسب.

علامات فقدان التركيز

يظهر على الطفل قليل التركيز عدة علامات، نذكر منها ما يأتي:

  • فقدان القدرة على تنظيم ممتلكاته والحفاظ عليها، وكذلك فقدان القدرة على تنظيم وقته لأداء المهمات.
  • فقدان القدرة على تكوين تسلسل للأفكار.
  • الحاجة إلى تكرار التعليمات الموجهة له باستمرار.
  • عدم القدرة على التركيز بمهمة واحدة في الوقت الواحد.
  • استغراق وقت طويل لإنجاز المهمة.
  • كثرة التململ، والعبث بأي شيء حوله.
  • عدم الاستماع عند توجيه الكلام له.
  • التحديق المستمر في الأفق أو الفراغ.
  • انزعاج الطفل من نفسه وتولد شعور لديه بأنه أحمق.

علاج عدم التركيز عند الأطفال

قد يُعدّ قصر مدة التركيز، وتشتت الانتباه، والتقلب الشديد في طريقة التفكير لدى الأطفال أمرًا طبيعيًا، مع استحضار اختلاف طبيعة الأطفال وشخصياتهم، وفي السؤال عن كيفية علاج عدم التركيز عند الأطفال فيُشار إلى أنّ الأمر قد يتطلّب في بعض الأحيان استشارة أخصائي العلاج الوظيفي (بالإنجليزية: Occupational Therapist) خاصةً إذا واجه الطفل صعوبات شديدة في التركيز، وتكمن أهمية تقديم العلاج للطفل الذي يعاني من عدم التركيز فيما يأتي:

  • تعزيز مهارات التفاعل السلوكي والاجتماعي.
  • تعزيز مهارات الطفل اللغوية سواء الاستقبالية أو التعبيرية.
  • التأكد من قدرة الطفل على أداء واجباته الأكاديمية، والتعلم بطريقة صحيحة متقنة.
  • فهم التعليمات الموجهة للطفل أثناء وجوده في المدرسة، مثل تعليمات الغرفة الصفية، أو أداء الواجبات الصفية.

نصائح وإرشادات لعدم التركيز عند الأطفال

قد يساعد اتباع بعض الخطوات على تعزيز التركيز لدى الأطفال، ومن هذه الإرشادات ما يأتي:

تدريب دماغ الطفل

يمكن اللجوء إلى الألعاب التي تستهدف أداء الدماغ، بغاية تعزيز التركيز ومهارات التحليل، كما تساعد على تحسين أداء الذاكرة قصيرة المدى (بالإنجليزية: Short-term memory)، ومهارات حل المشكلات المختلفة، ومنها: ألعاب الذاكرة، وأحجية الصور المقطّعة، وأحجية الكلمات، وتلوين الصور المختلفة، وعادة ما يهتم الأطفال الأكبر سنًا بتلوين الصور المحتوية على تفاصيل أكثر.

النوم لساعات كافية

يسبب اضطراب النوم المزمن اختلالًا في عدة وظائف معرفية، كالانتباه، والتركيز، والذاكرة، كما أنّه يؤثر في المزاج والقدرة على القيام بالمهام اليومية الاعتيادية، بالإضافة إلى أنّه يقلل من سرعة ردود الأفعال، ويمكن مساعدة الطفل على النوم بطريقة أفضل من خلال بعض السلوكيات البسيطة، نذكر منها ما يأتي:

  • اتباع روتين الاستيقاظ والنوم يوميًا في الوقت نفسه، حتى في أيام العطل.
  • تنظيم درجة حرارة غرفة النوم، بأن تكون مريحة بحسب ما يُوفر للطفل حاجته.
  • أخذ حمام دافئ قبل النوم أو قراءة كتاب.
  • إطفاء الشاشات الإلكترونية والتلفاز قبل النوم بساعة.
  • ممارسة التمارين الرياضية بشكل منتظم، مع ضرورة تجنب الإجهاد قبل النوم.

النظر مباشرة إلى الطفل

يمكن للأهل تطبيق بعض الممارسات أثناء توجيه التعليمات للطفل، إذ تهدف هذه الممارسات إلى تعزيز مهارة الاستماع لدى الطفل، بالإضافة إلى دورها في رفع مستوى الذاكرة والتركيز لديه، ومن هذه الممارسات ما يأتي:

  • النزول لمستوى ارتفاع الطفل.
  • النظر مباشرة لعيني الطفل.
  • توجيه الكلام بطريقة واضحة باستخدام جمل قصيرة.
  • سؤال الطفل لتكرار الكلام الموجه له؛ للتأكد من أنّه قد فهم ما تحاول إخباره به وأنه قد فهم ما يجب فعله.

تجنب التعب والجوع

يساعد تقديم وجبات الطعام قبل أداء المهام المنزلية أو الواجبات المدرسية على تجنب الشعور بالتعب أو الجوع، إذ يساهم الغذاء الصحي في تعزيز قدرة الطفل الجسدية والعقلية، وكذلك تعزيز مستوى الانتباه والمهارات المعرفية لديه، مع الانتباه إلى ضرورة تناول الغذاء الصحي المحتوي على الجلوتين (بالإنجليزية: Gluten)، والألبان، والدهون النباتية، وتجنب السكريات، والدهون الضارة.

التقليل من الألعاب الإلكترونية ومشاهدة التلفاز

قد يُبعد التلفاز وألعاب الفيديو الأطفال عن الأنشطة الأكثر نشاطًا واستخدامًا للحواس، والتي تغذيهم فكريًا واجتماعيًا وعاطفيًا، إضافةً إلى أنّ مشاهدة التلفاز وما فيه من تغيرات متكررة في الصور والتركيز قد تؤدي إلى برمجة فترة انتباه قصيرة للطفل، إذ يتمّ أثناء مشاهدة برامج التلفاز لفت انتباه الطفل للخطر مثلًا من خلال استخدام اللقطات المقربة، والضوضاء المفاجئة، والتكبير والألوان الساطعة، فيقلل ذلك من قدرة الطفل الطبيعية على الاستمرار في التركيز على الأحداث في العالم الحقيقي.

أداء مهمة واحدة وتقليل فترة الدراسة

عندما يشعر الأطفال ذوو التركيز القليل بالملل أثناء الدراسة، يُنصح الأهل حينها بتنظيم وقت الدراسة ليكون على فترات زمنية قصيرة لا تتعدى 20 دقيقة، ولمساعدة الطفل على حفظ التعليمات المطلوبة منه وإنجاز مهامه كاملةً؛ يُنصح الأهل بأن يطلبوا من طفلهم أداء مهمة واحدة فقط في كل مرة، وعدم تشتيته بطلب عدة مهمات دفعة واحدة.

تشجيع الطفل على الحركة

يُنصح بتشجيع الطفل على الحركة سواء بالخارج أو بتوفير مساحة داخل المنزل عندما لا يكون الخارج مناسبًا، إذا يساعد ذلك الطفل على تفريغ طاقته.

تحفيز السلوك الإيجابي

يلعب تحفيز السلوك الإيجابي لدى الطفل دورًا في تشجيعه وتعزيز مدة تركيزه في أداء مهامّه، إذ يمكن تحفيز الطفل إمّا معنويًا بالكلام الإيجابي أو الاحتضان مثلًا، وإمّا ماديًا بتقديم المكافآت المختلفة.


اكتشاف المزيد من عالم المعلومات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

ما رأيك بهذه المقالة؟ كن أول من يعلق

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على موقعنا. تساعدنا هذه الملفات على تذكر إعداداتك وتقديم محتوى مخصص لك. يمكنك التحكم في ملفات تعريف الارتباط من خلال إعدادات المتصفح. لمزيد من المعلومات، يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية لدينا.
قبول
سياسة الخصوصية