منح الله تعالى سيدنا سليمان عليه السلام نعمًا كثيرة لم تُمنح لنبي قبله، فآتاه ملكًا واسعًا وسلطانًا قويًا وحكمة فائقة، وجعله يفهم لغة الطير والحيوان، وسيّر له الرياح والجن والشياطين. كانت حياته مليئة بالمعجزات والأحداث الخارقة التي تدل على عظمة الله وقدرته. في هذا المقال، سنتعرف على قصته وهذه المعجزات بالتفصيل، وكيف استخدم سليمان عليه السلام هذه النعم في خدمة دينه وقومه.
قصة حكم داود وسليمان عليهما السلام في الحرث
لقد منَّ الله تعالى على سيدنا سليمان عليه السلام بنعمة الحكمة والفطنة، فجعله ذو بصر نافذ وقلب حكيم، مما أهله لأن يكون حاكماً عادلاً. وقد تجلت هذه الحكمة في العديد من المواقف، ومنها قصته الشهيرة مع قضية نفوش غنم الراعي في الحرث، حيث حكم فيها بحكمة بالغة، كما حكم أبوه داود عليه السلام من قبله، وكان حكم سليمان -عليه السلام- هو الحكم الصّحيح،
وقد أكد الله تعالى على عدل حكمهما في القرآن الكريم، قال -تعالى-: (وَداوودَ وَسُلَيمانَ إِذ يَحكُمانِ فِي الحَرثِ إِذ نَفَشَت فيهِ غَنَمُ القَومِ وَكُنّا لِحُكمِهِم شاهِدينَ*فَفَهَّمناها سُلَيمانَ وَكُلًّا آتَينا حُكمًا وَعِلمًا وَسَخَّرنا مَعَ داوودَ الجِبالَ يُسَبِّحنَ وَالطَّيرَ وَكُنّا فاعِلينَ). ولم يقتصر الأمر على الحكمة فحسب، بل إن الله تعالى قد وهب سليمان عليه السلام علماً واسعاً، ففهمه لما لا يفهمه غيره، وسخر له العديد من المخلوقات، كالجبال والطير، التي كانت تسبيحاً بحمده.
والقصة أنه جاء رجلين إلى النبي داود عليه السلام يحملان بينهما خصومة عميقة. أحدهما كان يملك حقلاً خصباً، والآخر كان يرعى قطعاناً من الغنم. اشتكى صاحب الحقل من أن أغنام جاره قد تجولت بحرية في أرضه، داست محاصيله، وأفسدت كل ما زرعه. فبعد أن استمع داود عليه السلام إلى شكواهما، أصدر حكمه بأن يعطي صاحب الغنم أغنامه لصاحب الحقل تعويضاً عن الخسارة التي لحقت به.
خرج الرجلان من عند داود عليه السلام، حاملين حكمه، وتوجها إلى سليمان عليه السلام، الابن الصغير لداود، الذي لم يتجاوز عمره حينها إحدى عشرة سنة. وعندما استمع سليمان إلى قصتهما، وبعد تفكير عميق، قال: “لو كان الحكم لي لحكمت بغير ذلك”. فقد رأى سليمان أن يأخذ صاحب الأرض الأغنام ليستفيد من ألبانها وصوفها، ويستخدمها في زراعته حتى يعوض ما فقده، ثم يعيد الأغنام إلى صاحبها بعد أن يتعافى الحقل.
أعجب داود بحكمة ابنه سليمان، وقبل حكمه، فقد كان حكم سليمان أكثر عدلاً وأكثر مراعاة لمصالح الطرفين، حيث ضمن لكل منهما حقه دون إلحاق الضرر بالآخر.
قصة تولي سليمان عليه السلام الملك
تولى النبي سليمان -عليه السلام- مقاليد الحكم على بني إسرائيل في سن مبكرة، حيث كان يافعًا لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، وذلك بعد وفاة والده النبي داود -عليه السلام-. وقد منحه الله تعالى الملك والنبوة معًا، فجمع بين حكمة النبوة وقوة الملك، وجعل منه قائدًا عظيمًا وحكيماً.
وإدراكًا لعظمة هذه النعمة، دعا سليمان ربه أن يمنحه ملكًا لم يمنحه لأحد قبله، فاستجاب الله لدعائه وأسخر له كل شيء، من إنسان وجن وطير وريح، بل حتى الشياطين كانت تخضع لأمره. فكان مشهدًا مهيبًا أن يخرج سليمان من قصره متوجهًا إلى مجلسه، فيأتي إليه الطير تحلق حوله، ويقف الناس والجن احتراماً له، ويتنافسون في خدمته، لدرجة أنه كان يجلس على عرشه دون أن يحرك ساكناً.
وقد ورث سيدنا سليمان عن أبيه داود عليهما السلام علمًا واسعًا وملكًا عظيمًا، كما جاء في قوله تعالى: “وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ”. ولم يقتصر هذا الإرث على سليمان وحده، بل كان تفويضًا إلهيًا خاصًا به، رغم أن داود عليه السلام كان له العديد من الأبناء، كما ذكر قتادة والكلبي أن عدد أبناء داود تسعة عشر ولداً.
وهذا التخصيص الإلهي لسليمان بالعلم والملك يدل بوضوح على أن الأمر يتجاوز مجرد الميراث المادي، بل هو توفيق من الله تعالى وتقدير خاص لهذا النبي العظيم. وقد زاد الله تعالى سليمان من فضله، فمنحه حكمة بالغة وقدرة على فهم لغة الحيوان، وسيّر له الرياح والجن والشياطين، مما جعله ملكًا عادلًا وحكيمًا، ونموذجًا يحتذى به في القيادة والحكم.
قصة سيدنا سليمان مع الهدهد وبلقيس
لقد منّ الله تعالى على نبيه سليمان عليه السلام بنعمة عظيمة تمثلت في فهم لغة الطير، فكان يستطيع التحدث مع الطيور وفهم ما تقوله، وقد جعل الله تعالى هذه المخلوقات الطاهرة في خدمته، حيث كانت تنقل له الأخبار من مختلف الأنحاء وتساعده في البحث عن الماء والغذاء، ومن بين هذه الطيور كان الهدهد الذي كان من أكثر الطيور التي يثق بها سليمان عليه السلام.
وفي أحد الأيام، تفقد سليمان عليه السلام طيوره فلم يجد الهدهد في مكانه، مما أثار حفيظته، فقد كان غياب الهدهد دون إذن منه أمرًا غير مقبول، وتوعد سليمان الهدهد بالعذاب أو القتل إن لم يكن له عذر بغيابه، فكان ذلك بداية لقصةٍ مثيرةٍ بين سليمان والهدهد، كشفت عن قدرة الله تعالى وعظمة خلقه.
غاب الهدهد عن سيدنا سليمان فترة من الزمن، مما أثار حفيظة الملك الحكيم الذي اعتاد على انضباط طيوره ووعيها. وعندما عاد الهدهد، سأله سليمان بحزم عن سبب غيابه المفاجئ، فأجاب الهدهد بتردد وكشف عن رحلة قام بها إلى أرض بعيدة، حيث رأى قومًا من سبأ يعبدون الشمس ويقدسونها كإلهة، وعلى رأسهم ملكة عظيمة تدعى بلقيس.
وقد أثار هذا الخبر دهشة سليمان، فلم يستطع أن يتصور أن قومًا يتمتعون بمثل هذا الحضارة العريقة قد يضلون عن سبيل الحق ويعبدون الشمس بدلًا من الخالق العظيم. قرر سليمان ألا يعجل بالحكم على الهدهد، فكتب كتابًا يشرح فيه توحيد الله تعالى ويبين خطأ عبادة الأصنام، وأمر الهدهد أن يلقيه بيده إلى ملكة سبأ، ثم يعود إليه ليخبره برد فعلها وقومها.
وهكذا، بدأ سليمان خطة حكيمة لنشر الدعوة إلى الله في أرض سبأ، متأملًا أن يستجيب قوم بلقيس لدعوته ويعودوا إلى الحق.
بعد أن طار الهدهد بعيدًا، بدأ في البحث عن طريقة لإيصال رسالة سليمان إلى ملكة سبأ. وبعد جهد وتعب، تمكن من العثور على نافذة صغيرة في قصر بلقيس كانت تُفتح كل صباح لتستقبل أشعة الشمس التي يعبدونها، فاختارها لتكون مدخل رسالته. بهدوء ودقة، ألقى الهدهد الكتاب داخل القصر، واختفى سريعًا.
وعندما اكتشفت بلقيس الكتاب، جمعت حكماءها وقوادها لمناقشة الأمر. نصحها مستشاروها بأنهم قوم أقوياء قادرون على مواجهة أي عدو، ولكنها بحكم حكمتها أدركت خطورة الأمر، فقررت أن تتجنب الحرب قدر الإمكان. لذلك، أمرت بإعداد هدية ثمينة ترسلها إلى سليمان لتهدئ من روعه، على أمل أن يتراجع عن تهديده.
ولكن سليمان، بحكمته وشجاعته، لم ينخدع بهذه الهدايا، وأصر على أن تسلم له بلقيس وقومها. وعندما علمت بلقيس بذلك، أدركت أنها لا تستطيع مقاومته، فقررت أن تذهب إليه طواعية لتسلم نفسها وقومها.
عندما بلغ نبأ عرش بلقيس ملكة سبأ إلى سليمان عليه السلام، استثار فضوله وحكمته، فأمر جنوده وجنوده بالبحث عن هذا العرش الفريد. وقد تبارى العلماء والجن في عرض قدرتهم على إحضاره إليه في أسرع وقت، فاقترح أحد العلماء أن يحضره قبل أن يرتد طرفه، بينما زعم عفريت من الجن أنه يستطيع إحضاره قبل أن يقوم سليمان من مجلسه.
وقد استجاب الله تعالى لدعاء سليمان، فوصل العرش إليه في لمح البصر، ليُظهر بذلك قدرته وعظمته. ولم يكتفِ سليمان عليه السلام بإحضار العرش فحسب، بل أمر جنوده بتغيير شكله قليلاً، ليكشف لبلقيس عن حكمة الله وعلمه الغيب. وعندما وصلت بلقيس إلى سليمان، فوجئت بقدوم عرشها إليه وقالت: (كَأَنَّهُ هُوَ)، كما أدهشها قصر سليمان الذي بدا لها كأنه نهر عظيم، فكشفت عن ساقيها ظنًا منها أنها تمشي على الماء. وهكذا، أدركت بلقيس عظمة الله وقدرته، فأسلمت لله ولسليمان عليه السلام، مؤمنة بأن لا إله إلا الله وحده وقالت: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
قصة سيدنا سليمان عليه السلام مع النملة
عندما سار سيدنا سليمان عليه السلام وجنوده في الأرض، مستهجنين عظمة الخالق في خلقه، مروا بوادي النمل. وفي تلك اللحظة، أُلهم الله تعالى نملةً حكيمة فصاحت بأخواتها قائلةً: “يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ”. كانت النملة الحكيمة قد أدركت عظمة جيش سليمان وقوته، فخشيت على قومها من أن يدوسهم الجنود دون قصد.
وقد دلّ هذا الموقف على حكمة الله تعالى في خلقه، حيث جعل حتى النملة تفهم لغة البشر وتنذر قومها بالخطر. ولما سمع سليمان قول النملة، ضحك ابتسامة رقيقة، حيث ذكرت النّملة أنّ سليمان وجنوده لا يمكن لهم أن يتعمدوا الإيذاء حين قالت أنّهم لن يشعروا بدهسنا، وشكر الله على ما أنعم به عليه وعلى والديه، كما ورد في قوله تعالى: “فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ”.
قصة وفاة سيدنا سليمان عليه السلام
عندما حان أجل النبي سليمان عليه السلام، قضى الله تعالى عليه وهو متكئ على عصاه، “فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ”. أي أنه مات واقفًا متكئًا على عصاه، وبقي على هذه الحال حتى أكلت دابة الأرض – وهي حشرة صغيرة – العصا التي كان يتكئ عليها فسقط على الأرض، وحينها فقط علم الناس بوفاته وكان ذلك بعد سنة من وقوفه،
تُعتبر هذه القصة دليلاً على عظمة الله وقدرته، حيث أراد الله تعالى أن يبين لنا أن الموت حق لا مفر منه، وأن كل نفس ذائقة الموت، وأن الإنسان مهما بلغ من العلم والسلطان فإنه لا يملك لنفسه شيئًا. كما أنها تبيّن لنا أن الله تعالى قد أطال بقاء سليمان عليه السلام على هذه الحال لسبب حكيم، وهو إظهار لكذب الجنّ الذين كانوا يدّعون علمهم للغيب أنهم لا يعلمون الغيب.
فلم تعلم الجنّ بموت سليمان -عليه السّلام- إلّا بعد أن سقط على الأرض، وأنهم لو علموا بموته لتركوا العمل، وبالتالي لم يتم العمل الذي أمرهم به سليمان عليه السلام، وقد كان الجنّ في هذه الفترة ينشغلون ببناء بيت المقدس.
معجزات سليمان عليه السلام
لقد حبا الله تعالى سيدنا سليمان -عليه السلام- بنعمة الملك والحكمة، وزوده بمعجزاتٍ فريدةٍ لم يمنحها لنبي قبله. فكانت معجزاته دالةً على عظمة قدرته، وشهادةً على صدق نبوته. ومن أبرز ما ميز هذه المعجزات هو دوامها واستمرارها معه طيلة حياته، حيث لم تكن ظواهر عابرة أو مؤقتة، بل كانت رفيقة له في كل لحظة من حياته. وقد شكر الله -تعالى- على هذه النعم العظيمة، فكان عبداً صالحاً مطيعاً لأوامره.
- تسخير الرّيح: قال -تعالى-: (وَلِسُلَيمانَ الرّيحَ عاصِفَةً تَجري بِأَمرِهِ إِلَى الأَرضِ الَّتي بارَكنا فيها وَكُنّا بِكُلِّ شَيءٍ عالِمينَ)، فقد كانت الرّيح تسير بأمره، وتتوجّه حيثما يأمرها، وبأمره تحرّك السّحاب لتمطر بحسب أمر سليمان لها، وبقيت الرّيح تحت أمره طوال حياته.
- تسخير الجنّ: قال -تعالى-: (وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ)، فقد كانت الجنّ تعمل بين يديه بتوجيهه، وتأخذ الأمر منه، فيأمرهم بالقيام بما ينفع مملكتهم، ويدير شؤونهم، فأقاموا المحاريب ودور العبادة، وكان لهم إنجازات عظيمة في فنّ العمارة، وأحواض الماء وهي ما تعرف بالجِفان، وصنعوا الأواني، والصّوامع الثابتة وهي القدور الرّاسيات، ومنهم من أمرهم بالغوص في البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان، فكان يستفيد ممّا منح الله به الجن من القدرات الخارقة والسرعة العالية، وعلى أيديهم قامت دولتهم.
- إسالة النّحاس: حيث استخدمه في صناعة السّلاح وغيرها من الصّناعات، قال -تعالى-: (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ)، فكان الحديد يسيل بين يدي الجنّ، فيقومون بتشكيله ثم يجمد على هيأته.
- فهم كلام ما لا ينطق: من الحيوانات، والحشرات، والجمادات، والنّباتات، وقد ورد ذكر فهمه للطّير لأنّ الطّير كان مسخَّراً بين يديه، فكان يفهم كلام الطّيور، وينقل الكلام لقومه ليتّعظوا به.
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.