يُعدّ موسى عليه السلام، المُلقّب بكليم الله، من أبرز أنبياء بني إسرائيل ورُسل الله تعالى، حيث شاءت حكمة الله أن ينشأ وترعرع في بيت فرعون، الطاغية الذي كان يُعتبر العدو الأكبر لبني إسرائيل، ممّا يُجسّد قدرة الله وعظيم تدبيره، وتحمل قصة موسى عليه السلام في طياتها دروسًا وعبرًا جمّة تُضيء لنا دروب الهداية.
وسنتناول في هذا السياق تفصيلًا لأهم جوانب هذه القصة المُباركة، مُسلطين الضوء على أهم المُعجزات التي أيّد الله بها نبيه موسى عليه السلام، والتي جاء بها إلى قومه بني إسرائيل كدليل على نبوته ورسالته، داعيًا إياهم إلى عبادة الله الواحد الأحد، وترك عبادة ما سواه، والتخلّص من الظلم والبطش الذي أوقعه عليهم فرعون وجنده، مُبيّنين كيف قادهم موسى عليه السلام بإذن الله من العبودية إلى الحرية ومن الضلال إلى نور التوحيد.
نسب موسى عليه السلام
يعود نسب النبي موسى عليه السلام، كليم الله وأحد أولي العزم من الرسل، إلى سلسلة نسب شريفة متصلة بالأنبياء والمرسلين، حيث يبدأ النسب بيعقوب عليه السلام، الذي أنجب ابناً مباركاً هو لاوي، والذي تزوج بدوره من نابتة بنت ماري بن يشخر، فأنجب منها أربعة أبناء، كان من بينهم قاهث بن لاوي، الذي اقترن بفاهى بنت مسين بن بتويل بن إلياس، ليثمر هذا الزواج عن مولد يصهر، الذي تزوج من شميث بنت بناديت بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم، فأنجبت له ولدين كريمين هما عمران بن يصهر وقارون بن يصهر.
ثم تزوج عمران بن يصهر من يحيب بنت شمويل بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم، فأنجبت له ثلاثة أبناء، كان من بينهم نبي الله موسى بن عمران عليه السلام، الذي ورد في كتاب الكامل في التاريخ أن اسم ابن يعقوب هو لاوي، وأن اسم زوجة عمران ووالدة موسى هو يوخابد. فيُلاحظ من هذا التسلسل النسبي المبارك اتصال نسب موسى عليه السلام بإبراهيم عليه السلام، مروراً بيعقوب ولاوي وقاهث ويصهر وعمران، وصولاً إلى موسى كليم الله.
ولادة موسى وانتقاله إلى قصر فرعون
وُلد النبي موسى عليه السلام في ظروفٍ بالغة الصعوبة، حيث كان فرعون، ملك مصر آنذاك، قد أصدر قرارًا بقتل جميع المواليد الذكور من بني إسرائيل في سنةٍ معينة، بينما يُبقيهم أحياء في سنةٍ أخرى، وذلك خوفًا من نبوءةٍ تُشير إلى زوال مُلكه على يدِ مولودٍ من بني إسرائيل.
ورغم هذا الظرف العصيب، وُلد موسى عليه السلام سرًا، ولم يعلم أحدٌ بولادته إلا أمه التي ألهمها الله عز وجل، خوفًا عليه من بطش فرعون وجنوده، أن تضعه في تابوتٍ مُحكم الإغلاق وتُلقيه في نهر النيل (اليمّ كما ورد في القرآن الكريم)، مُتوكلةً على وعد الله لها بحفظه ورجوعه إليها سالمًا مُعافىً.
وبفضلٍ من الله وقدرته، جرى التابوت بموسى عليه السلام في النيل حتى وصل إلى قصر فرعون، حيث عثرت عليه جواري القصر وأخذنه إلى آسية بنت مزاحم، زوجة فرعون، التي رقّ قلبها للطفل الرضيع وطلبت من زوجها أن يُبقيه معهما ويتّخذانه ولدًا، عسى أن ينفعهما في شيخوختهما.
وفي هذه الأثناء، كانت أم موسى قد أرسلت أخته لتتتبع أثره وتعرف مصيره، فوصلت إلى القصر وشاهدت رفضه لجميع المُرضعات، فأشارت على القائمين على شؤونه إلى إحضار أمه لإرضاعه، وبذلك تحققت نبوءة الله عز وجل ووعده لأم موسى بإرجاع ابنها إليها، في مشهدٍ يُجسد قدرة الله ورحمته ولطفه بعباده المؤمنين. تُعتبر قصة ولادة موسى عليه السلام وانتقاله إلى قصر فرعون من أبرز القصص القرآنية التي تحمل في طياتها عبرًا عظيمة عن الإيمان والثقة بالله والفرج بعد الشدة.
كبر موسى عليه السلام في قصر فرعون
نشأ النبي موسى عليه السلام وترعرع في كنف قصر فرعون، حيث قضى فترة شبابه واشتد أزره، حتى بلغ مبلغًا من القوة، وفي أحد الأيام، بينما كان يتجول في أرجاء المدينة، شهد مشهدًا لمشاجرة حادة بين رجلين، أحدهما من بني إسرائيل والآخر مصري قبطي، فاستنجد به الإسرائيلي طلبًا للعون والنصرة على خصمه المصري.
تدخل موسى عليه السلام لنصرة المستضعف، فوجه لكمة قوية للمصري أدت إلى وفاته على الفور، الأمر الذي أثار في نفسه الخوف والوجل من عاقبة ما فعل، خاصةً من فرعون وسلطته، فامتنع عن دخول القصر خشية بطش فرعون وانتقامه، وبينما هو في حذر وترقب، عاد إليه الرجل الإسرائيلي نفسه ليحذره من أن فرعون قد علم بأمر القتيل، وأنه يُجري بحثًا حثيثًا عنه بواسطة جنوده ورجاله، مما زاد من خوف موسى وقلقه.
حادثة قتل القبطيّ
في سياق الحديث عن سيرة موسى عليه السلام، نجد قصة مؤثرة تُعرف بحادثة قتل القبطي، حيث دخل موسى المدينة في وقت هدوء وخلو من الناس، ليجد رجلين يتشاجران، أحدهما قبطي والآخر إسرائيلي، فاستنجد الإسرائيلي بموسى لنصرته، فاستجاب موسى لوكز القبطي بقوة، لكن دون قصد قتله، إلا أن الوكزة تسببت في وفاته قضاءً وقدراً، ليقع القتل خطأً.
شعر موسى عليه السلام بندم شديد على هذا الفعل غير المقصود، فتوجه إلى الله تعالى تائباً معترفاً بذنبه، طالباً المغفرة والرحمة، معتبراً فعله ظلماً لنفسه نتيجة لشدة غضبه، حيث كان بإمكانه التحكم في انفعالاته. فغفر الله له توبته. وعلى الرغم من أن موسى عليه السلام أصبح مدافعاً عن الحق وأهله، إلا أن خبر مقتل القبطي لم ينتشر في المدينة بسبب وقوع الحادثة في وقت خلوها.
ظل موسى عليه السلام في حالة ترقب لما سيؤول إليه وضعه، وفي اليوم التالي، وجد نفس الرجل الإسرائيلي يتشاجر مع قبطي آخر، فطلب منه النصرة مجدداً، إلا أن القبطي الآخر قام بتوبيخ موسى، ناصحاً إياه بالكف عن العنف والإفساد، وحثه على الصلح بين المتخاصمين، فامتنع موسى عن قتله. بعد ذلك، جاء رجل من أقصى المدينة مسرعاً ليخبر موسى بأن الملأ يتآمرون لقتله قصاصاً للقبطي، فنصحه بالخروج من المدينة، فخرج موسى خائفاً يترقب، متوجهاً إلى مدين، مستعيذاً بالله من القوم الظالمين.
قال -تعالى-: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَـذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَـذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ*قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ*قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ*فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ*فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ*وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ*فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
موسى عليه السلام في مَدْين
خروج موسى عليه السلام من مصر ورحلته إلى مدين ولقاؤه بابنتي شعيب: انطلق النبي موسى عليه السلام في رحلة هجرة من مصر متوجهاً نحو أرض مدين، فوصل إلى بئر ماء حيث يجتمع الناس لسقي مواشيهم، وهناك لفت انتباهه فتاتان تنتظران دورهما في سقاية أغنامهما، فتقدم إليهما موسى عليه السلام سائلاً عن سبب تأخرهما، فأخبرتاه أن والدهما شيخ كبير طاعن في السن لا يقدر على مشقة السقي، وأنهما تضطران للقيام بهذا العمل لرعاية أغنامهما، فقام موسى عليه السلام بدافع الشهامة والمروءة بسقاية أغنامهما تخفيفاً عنهما وقضاءً لحاجتهما، ثم توجه إلى الله بالدعاء والتضرع شاكراً له ومستعيناً به.
وعندما عادت الفتاتان إلى منزلهما، قصتا على والدهما الشيخ شعيب قصة الرجل الغريب الذي سقى لهما، فأمر إحداهما بالعودة إليه ودعوته إلى المنزل ليشكر صنيعه، فامتثلت الفتاة أمر أبيها وعادت إلى موسى عليه السلام ودعته إلى لقاء والدها، فاستجاب لدعوتها وتوجه معها إلى منزل الشيخ شعيب، وقد وصف القرآن الكريم هيئة مجيئها بقوله “فجاءته إحداهما تمشي على استحياء” دلالة على أدبها وحيائها.
فاستقبل الشيخ شعيب موسى عليه السلام وشكره على إحسانه لابنتيه، ثم عرضت إحدى ابنتيه عليه فكرة استئجاره لرعي الأغنام، فوافق الشيخ وعرض على موسى عليه السلام الزواج بإحدى ابنتيه مقابل العمل في رعي الأغنام لمدة ثماني سنوات، مع إمكانية إضافة سنتين أخريين إن رغب، فقبل موسى عليه السلام هذا العرض وعمل لدى الشيخ شعيب المدة المتفق عليها كاملة، ثم عاد بعدها إلى مصر.
قال -تعالى-: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ*فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ*فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ*قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ*قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّالِحِينَ*قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّـهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ).
بعثة موسى عليه السلام
في سياق البحث عن نارٍ ليلاً، قاد القدر موسى عليه السلام، أثناء عودته إلى مصر مع أهله، إلى مشهدٍ مهيبٍ غيّر مجرى حياته؛ فبينما كان يتنقل بحثًا عن نارٍ ليستدفئ بها أهله، أبصر نارًا تلوح من جانب جبلٍ، فتوجه إليها وحيدًا تاركًا أهله في مكانهم، وعند وصوله إلى موضع النار، انطلق صوتٌ إلهيٌّ يخاطبه، فكان ذلك تكليمًا من الله سبحانه وتعالى لموسى، حيث أعلن له عن ربوبيته للعالمين واصطفائه له لحمل رسالة التوحيد الخالص، ودعوة الناس إلى عبادة الله وحده، وإنذارهم بيوم القيامة، اليوم الذي سيُجازى فيه كل إنسانٍ على ما قدمه في حياته الدنيا.
وفي هذا الحوار الإلهي، سأل الله عز وجل موسى عن العصا التي يحملها، وهو العليم بها، فأجاب موسى بأنها عكازه الذي يعتمد عليه في رعي غنمه وقضاء مآربه الأخرى، فأمره الله بإلقائها، فإذا بها تتحول بقدرة الله إلى حيةٍ تسعى، فأوجس موسى خيفةً، لكن الله طمأنه وأخبره بأنه سيعيدها إلى حالتها الأولى، ثم أمره بأن يُدخل يده في جيبه، فأدخلها فخرجت بيضاء ساطعة النور، ثم أعادها فعادت كما كانت، وهكذا أظهر الله لموسى آياتٍ بيناتٍ ومعجزاتٍ عظيمةٍ لتكون دليلًا على نبوته ورسالته.
وبعد هذه التجربة الروحانية العميقة، أمره الله سبحانه وتعالى بالتوجه إلى فرعون وقومه لدعوتهم إلى عبادة الله وحده وترك ما يعبدون من دونه، وامتثال أوامره، فابتهل موسى إلى ربه أن يشرح صدره وييسر أمره، وأن يعينه بأخيه هارون ليكون له سندًا ومعينًا في هذه المهمة العظيمة، فاستجاب الله لدعائه، وبذلك أصبح موسى عليه السلام رسول الله إلى فرعون وقومه، مُبلِّغًا لهم أوامر الله ونواهيه، داعيًا إياهم إلى طريق الهداية والرشاد.
قال -تعالى-: (وَما تِلكَ بِيَمينِكَ يا موسى*قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمي وَلِيَ فيها مَآرِبُ أُخرى*قالَ أَلقِها يا موسى*فَأَلقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسعى*قالَ خُذها وَلا تَخَف سَنُعيدُها سيرَتَهَا الأولى*وَاضمُم يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخرُج بَيضاءَ مِن غَيرِ سوءٍ آيَةً أُخرى*لِنُرِيَكَ مِن آياتِنَا الكُبرَى*اذهَب إِلى فِرعَونَ إِنَّهُ طَغى*قالَ رَبِّ اشرَح لي صَدري*وَيَسِّر لي أَمري*وَاحلُل عُقدَةً مِن لِساني*يَفقَهوا قَولي*وَاجعَل لي وَزيرًا مِن أَهلي*هارونَ أَخِي*اشدُد بِهِ أَزري*وَأَشرِكهُ في أَمري).
مُواجهة موسى عليه السلام لفرعونَ
واجه موسى عليه السلام فرعون في قصر الأخير بمصر، حيث التقى بأخيه هارون قبل التوجه سويًا للقصر بإذن من فرعون. بدأ موسى دعوته لفرعون بالتركيز على توحيد الله والخضوع له وحده، مطالبًا إياه بالكف عن ظلم بني إسرائيل والسماح لهم بالخروج معه. رفض فرعون هذه المطالب باستخفاف واستهزاء، مذكّرًا موسى بنشأته في قصره ورعايته له، ومنكرًا عليه قتله للقبطي.
ردّ موسى بأن القتل لم يكن متعمدًا، مؤكدًا رسالته مع أخيه هارون من الله. عندما سأله فرعون عن ربهما، أجاباه بأنه مالك الملك وخالق كل شيء، فازداد فرعون استخفافًا واستهزاءً، مخاطبًا قومه بتكذيب موسى واتهامه بالجنون. ردّ موسى بتوضيح أن الله خالقهم وخالق آبائهم، وعرض معجزات إلهية كدليل على صدق رسالته. أثار هذا العرض دهشة فرعون الذي استشار قومه، فأشاروا عليه بأن موسى وهارون ساحران يسعيان للاستيلاء على مُلكه وطرده من أرضه، ناصحين إياه بجمع السحرة لمواجهة وإبطال سحرهما المزعوم.
مُواجهة موسى عليه السلام للسَّحَرة
اجتمع فرعون بالسَّحرة، وأخبرهم بما رآه من معجزات موسى، وسألهم عمّا يُمكنهم فِعْله؛ لإبطال ما جاء به موسى، فأخبروه بأنّهم سيغلبونه بسِحْرهم، وطلبوا منه الأجر، فأكّدَ لهم أنّهم سيكونون مُقرَّبين منه، ومأجورين، فلمّا أتى موسى، ورمى عصاه، لم يلبث السَّحرة كثيراً حتى آمنوا بربّ موسى وهارون؛ لأنّهم عرفوا أنّ ما كان من موسى ليس سحراً، ولا يفعله إلّا نبيٌّ، فغضب فرعون غضباً شديداً منهم، وادّعى أنّ موسى -عليه السلام- مَن عَلّمَهم السِّحر، وأنّهم تابعون له، فأمر بصَلْب السَّحَرة، واستمرَّ فرعون في إنكار ما جاء به موسى -عليه السلام-، فأمرَ وزيره هامان أن يبنيَ له قصراً عالياً شاهقاً؛ ليصل به إلى أبواب السماء، ويرى إله موسى.
وكان قد أسلم مع موسى وهارون بنو إسرائيل، فأمرهم الله -تعالى- أن يسكنوا بيوتاً في مصر، وأمره أن يَعِظ مَن آمن معه، ويُبشّرَهم بما ينتظرهم من نَعيمٍ في الآخرة، ثمّ همَّ فرعون بقَتْل نبيّ الله موسى؛ مُدّعِياً الخوف عليهم من أن يُخرجهم من دينهم، وينشرَ في الأرض الفساد، إلّا أنّ مؤمناً من آل فرعون كان يُخفي إيمانه استنكر ذلك، وقال إنّ موسى جاء بالبيّنات من ربّه؛ فإن كان صادقاً فإنّ الشرَّ سيُصيبهم، وإن كان كاذباً فسيُظهر الله كذبَه، ولن يضرَّهم ذلك، قال -تعالى-: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)، فتراجع فرعون عن قَتْل موسى -عليه السلام-، إلّا أنّه استمرّ في تخويف أتباع موسى -عليه السلام-، وظلمهم.
طلب موسى -عليه السلام- من قومه أن يصبروا، ويتمسّكوا بحبل الله؛ فهو القادر على أن يُهلك فرعون، وقومه، إلّا أنّ فرعون تجاوز الحدَّ في ظُلمه، وطُغيانه؛ فدعا موسى وهارون على فرعون وأعوانه بأن يُبدّدَ أموالهم، ويطبعَ على قلوبهم؛ فلا يؤمنوا حتى يَرَوا العذاب الأليم، فاستجاب الله لدعائهم، إلّا أنّ فرعون زاد في إصراره على الظُّلم، والاستكبار بغير الحقّ، فابتلاهم الله باحتباس المَطر، ونَقص المحاصيل، ولم يزدادوا إلّا تكبُّراً ورَفْضاً لرسالة الحقّ؛ فأرسل الله -تعالى- عليهم الطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم، وكانت تأتيهم آيات العذاب مُتتالِيةً.
قصة موسى عليه السلام وانشقاق البحر
طال الأمر على موسى، ويئس من إيمان فرعون؛ فأوحى الله -تعالى- إليه أن يرحل ليلًا مع بني إسرائيل إلى جانب الطور الأيمن، ومشى موسى وهارون وبني إسرائيل من دون علم الأقباط، وما إن وصلوا إلى جانب البحر أدروكوا أنّ فرعون وقومه يلحقون بهم، فخاف بني إسرئيل وانتشر الذعر بينهم؛ فطمأنهم موسى بقوله {قَالَ كَلَّآ ۖ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ}.
فأوحى الله -تعالى- لموسى أن اضرب بعصاك البحر، فضرب موسى البحر بعصاه فانفلق البحر، وصار فيه اثنا عشر طريقًا، لكلّ سبطٍ من بني إسرائيل طريق، فعبر بني إسرائيل وموسى البحر بأمان، ونزل جبرائيل على حصانٍ أنثى ولم يكونا مرئيين، فشمّت أحصنة قوم فرعون ريحها فلحقوها ودخلوا إلى البحر وغرقوا جميعهم، وعلى رأسهم فرعون.
ذهاب موسى عليه السلام للقاء ربّه واستخلاف هارون
عبرَ موسى -عليه السلام- وقومه البحر، ومَضَوْا في طريقهم حتى وصلوا إلى قومٍ يتّخذون الأصنام آلهةً لهم، فطلب قوم موسى منه أن يتّخذوا آلهةً كما لهم، فأجابهم موسى -عليه السلام- بأنّ الله إلهُهم، وقد أنجاهم من الظلم، ثمّ ذهب للقاء ربّه، وجعل أخاه هارون خليفةً له في قومه.
غدا هارون رئيس القوم بعدما طلب منه موسى ذلك، فكان يُعلّم الناسَ الخيرَ، ويردعُهم عن فِعل الشرّ، أمّا موسى -عليه السلام-، فعندما ذهب للقاء ربّه، كلَّمَه الله -تعالى- من وراء حجابٍ، فطلب موسى منه -سبحانه- أن يراه، فأخبره ربّه بأنّ الإنسان لا يمكنه تحمُّل ذلك؛ وأنّه سيتجلّى للجبل، فإن استقرَّ مكانه فسوف سيراه، ثمّ تجلّى ربّ العزّة للجبل الذي لم يبقَ منه شيء، وأصبح حاله حال التراب، فأُغشِي على موسى -عليه السلام- من هول ما وقع.
استغفر موسى -عليه السلام- الله -تعالى- بعد إدراكه ما بدر منه، فأخبره الله -تعالى- أنّه فضَّلَه على العالَمين؛ باصطفائه للنبوّة، وتكليمه دون الاستعانة بالملائكة، فأمره بأَخذ الألواح، والحرص على العمل بما نزل فيها، وعدم تجاوُز الحدود المنصوص عليها، وتعليمها لقومه؛ باتّباعهم الأحكام والتفصيلات الواردة فيها، وشُكر الله -عزّ وجلّ- على إظهار الحقّ، وهدايته إيّاهم إليه، والحرص على إفراد نيّة العمل لله وحده، وحَذَّره من التكذيب بكتابه.
ثمّ مضى موسى إلى قومه؛ يُعلّمهم، ويعرض عليهم التوراة؛ قال -تعالى-: (وَلَمّا جاءَ موسى لِميقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِني أَنظُر إِلَيكَ قالَ لَن تَراني وَلـكِنِ انظُر إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ استَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوفَ تَراني فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسى صَعِقًا فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبحانَكَ تُبتُ إِلَيكَ وَأَنا أَوَّلُ المُؤمِنينَ*قالَ يا موسى إِنِّي اصطَفَيتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتي وَبِكَلامي فَخُذ ما آتَيتُكَ وَكُن مِنَ الشّاكِرينَ).
قصة موسى عليه السلام مع ملك الموت
تمثّلت قصّة موسى -عليه السلام- مع ملك الموت حين بعث الله ملَكًا بهيئة رجلٍ إلى موسى، فقال له الرجل إنّ الله قد بعثني لأقبضَ روحك، ففقأ موسى عينه، فعاد الملَك إلى الله وأخبره بما حدث، فأعاد الله له عينه، وطلب منه أن يسأل موسى إن كان يريد الحياة، فليذهب إلى ثورٍ ويضع يده على ظهره، فله بكلٍ شعرة غطتّها يده سنة حياة.
فتساءل موسى ماذا سيكون بعد الحياة؟ فأخبره بأنّ الموت قادمٌ لا محالة، فطلب موسى -عليه السلام- من ربه أن يميته وقتها، وأن يدفنه في منطقةٍ قريبةٍ جدًّا من الأرض المقدّسة وهي بيت المقدس، وقد كان له ذلك كما قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في حديثه.
السامريّ وصناعة العجل
غاب موسى -عليه السلام- عن قومه أربعين يوماً، وكان بنو إسرائيل قد انتظروا عشرين يوماً، وظنّوا أنّه لن يعود، فظهر رجلٌ منهم يُدعى السامريّ، وصنع لهم عجلاً من الحليّ، وادّعى أنّه إلهُهم، وأنّ عليهم عبادته، ففُتِن القوم، وعبدوه من دون الله، ويُشار إلى أنّ هارون -عليه السلام- كان قد نهاهم عن ذلك، وأمرهم بالرجوع عن فِعلهم، وحثّهم على عبادة الله ربّ العالَمين، فلم يستجيبوا له، بل اشتدّ تمسُّكهم بعبادة العجل.
فلمّا عاد موسى -عليه السلام- بما وعدهم، ووجدهم على حالهم، عاتبَ أخاه هارون -عليه السلام-، فأخبره أنّهم استضعفوه، وكادوا يقتلونه، فلم يقوَ على رَدعهم، ثمّ ذهب موسى إلى السامريّ، فسأله عن فِعلته، فكان ردّه أنّه يملك ما لا يملكه بنو إسرائيل من بصيرةٍ، فما كان من موسى -عليه السلام- إلّا أن حرَّقَ العجل، ونسفَ رماده نَسفاً، وأخبره أنّ له عقوبة في الدُّنيا، وفي الآخرة، قال -تعالى-: (قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ ۖ وَانْظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا)؛ فلا إله إلّا الله وحده.
غضب موسى عليه السلام وإلقاء الألواح
غضب موسى -عليه السلام- من قومه؛ بسبب اتِّخاذهم العجل إلهاً لهم -كما ذُكِر سابقاً-، فلم يتمالك نفسه، وألقى الألواحَ التي اشتملت على أحكام الله وتشريعاته؛ غضباً وأَسَفاً على قومه، وعلى الرغم من عدم تعمُّده ذلك، وعدم تسبُّب إلقائه إيّاها في أيّ أذىً لها، إلّا أنّ موسى -عليه السلام- دعا ربّه -سبحانه- مباشرةً أن يغفرَ له ولأخيه، وطلب منه الرحمةَ.
موسى عليه السلام والبقرة الصفراء
قُتِل في بني إسرائيل رجلٌ غنيّ لم يكن له ولدٌ على يدٍ قريبٍ له؛ بهدف الحصول على الميراث، ثمّ أتى القاتل إلى موسى -عليه السلام- يخبره بموت قريبه، ويسأله أن يساعده في معرفة القاتل؛ ليقتصَّ منه، ولم يكن عند موسى -عليه السلام- عِلمٌ بشيءٍ؛ فجمع الناس وسألهم عن الأمر، فلم يكن أيّ أحدٍ منهم يعلم شيئاً.
فأوحى الله -تعالى- إليه أن يأمر القومَ بذَبح بقرةٍ؛ لمعرفة القاتل، فاستغرب القوم، وأكثروا السؤال عن أوصافها، فبيَّن الله -تعالى- لهم أنّها بقرةٌ لا كبيرةٌ مُسِنّةٌ، ولا صغيرةٌ، بل مُتوسِّطة السنّ، ذات لون أصفر صافٍ لم تُتَّخَذ للعمل في الأرض أو السقاية، وهي خاليةٌ من العيوب، وليس في جسمها لونٌ آخر، فوجدوها بعد طول عناء، ولو أنّهم أطاعوا الأمر بذَبح بقرة، لأجزأهم ذلك، إلّا أنّهم بتشديدهم على أنفسهم، شدَّد الله عليهم، ثمّ ذبحوها، وضربوا الميّت بعظمها بأمرٍ من الله، ففعلوا، فأخبرهم الميّت عن قاتله؛ وهو قريبه، فأُخِذ وقُتِل؛ لسوء عَمَله.
قال -تعالى- في بيان ما سبق: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّـهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ*قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ*قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ*قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّـهُ لَمُهْتَدُونَ*قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ*وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّـهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ*فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّـهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
قصّة موسى عليه السلام مع الخَضر
خطب موسى في بني إسرائيل يوماً، فسأل أحدُ القوم عن عِلمه، وإن كان هناك مَن هو أعلم منه، فأجاب موسى -عليه السلام- بالنَّفْي، فعاتبه الله -تعالى-، وأمرَه أن يُسلِّم أمره إليه؛ فلا عِلم له إلّا بعِلم الله، وأخبره أنّ هناك مَن هو أعلمُ منه، فتوسّل موسى إلى ربّه أن يُعرِّفه به؛ ليتعلّمَ ويستزيد منه، فأخبره الله -تعالى- أنّه العبد الصالح الخَضر، وأعلمه بالمكان الذي سيجده عنده؛ وهو مَجمع البحرَين، ودلالة الوصول إليه فُقدان الحوت الذي يحمله معه بأمرٍ منه -سبحانه-؛ وحوت موسى سمكة طبيعيّة.
فذهب موسى -عليه السلام-، وأخذ معه يوشع بن نون الذي كان يخدمه، ويأخذ عنه العِلم، وسارا في طريقهما، فاستراحا عند صخرةٍ، وأثناء راحتهما فُقِد الحوت، ثمّ أكملا المَسير دون أن يتفقّد يُوشع أمرَ الحوت، وحين اعتراهما التعب والجوع، طلب موسى من يُوشع الطعام، فعلما حينها بفقدانهما الحوتَ، فرجعا إلى الصخرة، فوجدا الخضر، فسلّم عليه موسى، واستأذنه أن يمضيَ معه في طريقه؛ ليتعلّم منه، فحذَّرَه الخضر من كثرة السؤال، وعدم الصبر، فكان ردّ موسى -عليه السلام- أنّه سيلتزمُ أمرَه، ويُطيعُه، فسارا في طريقهما.
أخبر الخضر موسى -عليه السلام- ألّا يسأله عن أيّ فِعلٍ يفعله حتى يُحدّثه هو بذلك، فوافق موسى، ثمّ ركبا في السفينة التي سمح لهم أصحابها أن يركبوها دون أُجرةٍ، فأخذ الخضر يعيب السفينة؛ فثقبها، وأتلف جزءاً منها، فاستنكر موسى فِعلته، فذكَّرَه الخضر بالشرط، فطلب منه موسى أن يسامحه.
ثمّ مَرّوا بغلامٍ، فقتله الخضر، فتعجّب موسى، ولم يتمالك نفسه، وسأله عن سبب قتله نفساً بريئةً، فذكّرَه الخضر بالشرط، فوعده موسى بعدم السؤال عن أمرٍ آخر، وإن سأله فهو في حِلٍّ من مُصاحبته، فمرّوا بقريةٍ، وطلبوا طعاماً، فلم يُعطوهم؛ لشدّة بُخلهم، فوجدوا فيها جداراً على وشك الانهيار، فأصلحه الخضر، فأنكر عليه موسى، فكان ذلك آخر العهد بين موسى والخضر، وأخبره الخضر بلزوم المُفارَقة، وأخبره بأسباب أفعاله.
فبدأ بالسفينة التي عابها؛ لِئلّا يأخذها الحاكم الظالم من أصحابها المساكين، وقد كان يأخذ السُّفن الصالحة من أصحابها، أمّا الغلام، فقد كان سيغدو سبباً في شقاء أهله، فأوحى الله إلى الخضر بقَتْله، وانّه سيُبدل والدَيه بولدٍ خَيّرٍ، أمّا الجدار، فكان تحته كنزٌ مدفونٌ لغلامَين يتيمَين حفظه لهم والدهم الصالح، فأصلحه حتى يكبرا، ويستخرجا كنزهما، فلا يأخذه أهل القرية، وأكّد الخضر على موسى أنّ أفعاله لم تكن من تلقاء نفسه، وإنّما بوَحْيٍ من الله -تعالى-.
وقد قال -تعالى- في بيان ما سبق: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا*قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا*وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا*قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا*قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا*فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا*قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا*قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا*فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا*قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا*قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا*فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا*قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا*أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا*وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا*فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا*وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)
كيف مات موسى عليه السلام
ورد في موت موسى عدّة أقاويل، واختلف العلماء حول الوقت والطريقة:
- أورد القرطبيّ -في رواية عن ابن عبّاس رضي الله عنهما- أنّ موسى مات مع أخيه هارون -عليهما السلام- في التيه، وأنّ هارون قد مات قبل موسى ودفنه في أحد الكهوف، وقال الحسن البصري إنّ موسى لم يمُت في التيه.
- أمّا الثعلبيّ فيرى أنّ أصحّ تلك الأقاويل أنّ موسى قد فتح أريحا ومكث فيها مدّةً من الزمن، ثمّ قبض الله روحه فيها، ولا يعلم أحدٌ أين يوجد قبره، ويؤيّد كلامه ما ذكره رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بأنّ موضع قبره بجانب الكثيب الأحمر في الحديث المشهور، وقد قال بعضهم إنّ سبب إخفاء قبره عن باقي الخلق هو أنّه ربّما قد يصبح مكانًا للعبادة، والله أعلم.
- وقال بعضهم إنّ موسى قد رأى يومًا جماعةً من الملائكة يحفرون قبرًا لم يرَ مثيله في البهاء والخضرة، فسأل عن صاحب القبر، فأخبروه أنّه لعبدٍ كريمٍ عند الله؛ فتمنّى أن يكون هو، فنزل في القبر وقبض الله روحه.
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.