قصة يونس عليه السلام: دروس وعبر في الدعوة والصبر

تعتبر قصص الأنبياء والمرسلين كنوزًا ثمينة تحمل في طياتها دروسًا وعبرًا عظيمة للأفراد والمجتمعات على مر العصور. ومن بين هذه القصص الملهمة، تبرز قصة نبي الله يونس بن متّى عليه السلام، الذي أرسله الله تعالى إلى أهل نينوى في أرض العراق، ليخرجهم من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد.

ينتسب يونس عليه السلام إلى نسل بنيامين شقيق يوسف عليه السلام، وقد بُعث إلى قومٍ ضلوا طريق الحق وعبدوا الأصنام، وعلى رأسها صنم عظيم يُدعى “عشتار”. دعاهم يونس بلسانٍ فصيح وقلبٍ رحيم إلى عبادة الله الواحد الأحد، الذي لا شريك له، ونبذ هذه الأوثان الباطلة التي لا تنفع ولا تضر.

إلا أن قومه استكبروا عن دعوته، وكذبوا رسالته، وأصروا على ضلالهم وعنادهم. لقد استمر يونس في دعوتهم قرابة ثلاثة وثلاثين عامًا، ولكن لم يؤمن به إلا قلة قليلة، قيل إنهم لم يتجاوزوا الرجلين.

عندما رأى يونس عليه السلام إصرار قومه على الكفر والجحود، ويأس من استجابتهم لدعوته، ضاق صدره وغضب عليهم، فقرر أن يتركهم ويخرج من بلدتهم. لقد ظنّ عليه السلام أنه قد أدى ما عليه من واجب الدعوة، وأن الله تعالى لن يؤاخذه على هذا الخروج بعد هذا العناد المستمر من قومه.

لم يمضِ وقت طويل على خروج يونس عليه السلام من نينوى، حتى بدأت تظهر على قومه بوادر العذاب الذي أنذرهم به. فقد غشيتهم سحب سوداء كثيفة، وانتشر الدخان الخانق في أرجاء مدينتهم، واسودت جدران بيوتهم. عندها أيقن القوم أن عذاب الله قد حلّ بهم لا محالة، فتملكهم الخوف والوجل، وبدأوا يبحثون عن يونس عليه السلام لعلّه يهديهم إلى طريق التوبة والنجاة، ولكنهم لم يجدوه.

في خضم هذا الرعب، لجأ القوم إلى رجل شيخ حكيم، وسألوه عما يجب عليهم فعله للخلاص من هذا البلاء. فأرشدهم الشيخ إلى التوبة الصادقة إلى الله تعالى. فما كان منهم إلا أن جمعوا صغيرهم وكبيرهم، رجالهم ونساءهم، وحتى حيواناتهم، ثم وضعوا الرماد على رؤوسهم، ولبسوا المسوح الخشنة تواضعًا وخضوعًا لله سبحانه وتعالى. وفي هذا المشهد المهيب، رفعوا أكف الضراعة إلى السماء، متضرعين إلى الله أن يصرف عنهم العذاب ويتوب عليهم.

واستجاب الله تعالى لصدق توبتهم وإخلاصهم في الرجوع إليه، فرفع عنهم العذاب وقبل إيمانهم بعد كل ذلك الكفر والعناد. ويا للأسف، لم يشهد يونس عليه السلام هذه اللحظة الفارقة في حياة قومه.

بينما كان يونس عليه السلام في طريقه بعد خروجه من نينوى، استقل سفينة تقل جماعة من الناس. وعندما وصلوا إلى عرض البحر، هاجت الأمواج واضطربت السفينة بشدة، وكادت أن تغرق بمن فيها. فأدرك الركاب أن السبيل الوحيد للنجاة هو تخفيف حمولة السفينة بإلقاء أحد الركاب في البحر. فقاموا بإجراء قرعة بينهم، وكانت المفاجأة أن سهم القرعة خرج باسم يونس عليه السلام.

نظرًا لما كان يتمتع به يونس من صلاح وهيبة، تردد الركاب في إلقائه في البحر، فأعادوا القرعة ثلاث مرات، وفي كل مرة كان السهم يشير إليه. عندها لم يجد يونس عليه السلام بدًا من الامتثال لقضاء الله، فألقى بنفسه في البحر، وهو يظن أن الله تعالى سينجيه من الغرق.

وفي تلك اللحظة، أرسل الله تعالى حوتًا عظيمًا ابتلع يونس عليه السلام. وظن النبي الكريم أنه قد مات وهو في بطن الحوت، لكنه سرعان ما حرك يديه وساقيه فتحرك، فسجد لله تعالى شكرًا له على حفظه ونجاته من الموت المحقق. لم يصب يونس في بطن الحوت بأذى، ولم تُكسر له يد ولا رجل.

بقي يونس عليه السلام في بطن الحوت ثلاثة أيام، سمع خلالها أصواتًا غريبة لم يفهمها، فأوحى الله إليه أنها تسبيح مخلوقات البحر. فأخذ يونس عليه السلام يسبح الله تعالى ويذكره، ويتضرع إليه قائلاً: “لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”. وبعد انقضاء هذه المدة، أمر الله تعالى الحوت أن يقذف يونس عليه السلام على اليابسة، وأنبتت عليه شجرة من يقطين ليستظل بظلها ويأكل من ثمرها حتى استرد عافيته.

بعد أن منّ الله تعالى على يونس عليه السلام بالنجاة، أمره بالعودة إلى نينوى. وعندما وصل إليها، وجد قومه قد آمنوا بالله تعالى وحده لا شريك له، وأنابوا إليه تائبين. فمكث يونس بينهم فترة من الزمن وهم على صلاح وتقوى، كما قال تعالى: “وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ”.

إلا أن هذه الهداية لم تدم طويلًا، فبعد فترة عاد قوم يونس إلى ضلالهم وكفرهم من جديد. وعندها نزل بهم عذاب الله تعالى وأهلكهم جميعًا، ودمر مدينتهم تدميرًا، فأصبحوا عبرة لمن خلفهم. وقد قيل في نهاية قصة يونس عليه السلام أنه توفي ودفن قبل ساحل صيدا.

تحمل قصة نبي الله يونس عليه السلام في طياتها العديد من الدروس والعبر الهامة، خاصة للدعاة إلى الله تعالى:

  • عدم الاستعجال في الدعوة: تعلمنا قصة يونس عليه السلام أن الداعية إلى الله يجب أن يكون صبورًا ومثابرًا في دعوته، وألا يستعجل النتائج أو ييأس من استجابة الناس. فالهداية بيد الله وحده، وعلى الداعية أن يبذل جهده ويستمر في التذكير والتوجيه دون ملل أو ضجر.
  • تجنب الغضب واليأس: إن خروج يونس عليه السلام من قومه كان نابعًا من غضبه ويأسه من استجابتهم. تعلمنا هذه القصة أن الغضب واليأس ليسا من صفات الداعية الناجح، بل عليه أن يتحلى بالهدوء والثقة في وعد الله، وأن يستمر في بذل النصح والتذكير حتى آخر لحظة.
  • أهمية الصبر: الصبر هو مفتاح الفرج، وهو الطريق لتحقيق الأهداف النبيلة. على الداعية إلى الله أن يكون صبورًا طويل النفس، وأن يتحمل أذى الناس وتكذيبهم، وأن يوقن بأن الله تعالى سيؤيده وينصره في نهاية المطاف.
  • فضل الاستمساك بدعوة ذي النون: تعلمنا قصة يونس عليه السلام فضل التسبيح والدعاء الذي دعا به وهو في بطن الحوت: “لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”. فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الدعوة ما دعا بها رجل مسلم في شيء إلا استجاب الله له. فهي دعوة عظيمة جامعة للتوحيد والتسبيح والاعتراف بالذنب والتقصير.

في الختام، تبقى قصة نبي الله يونس عليه السلام شاهدًا على رحمة الله الواسعة وقدرته العظيمة، وعلى أهمية الصبر والمثابرة في طريق الدعوة إلى الحق، وضرورة اللجوء إلى الله تعالى في الشدة والرخاء.


اكتشاف المزيد من عالم المعلومات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

ما رأيك بهذه المقالة؟ كن أول من يعلق

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على موقعنا. تساعدنا هذه الملفات على تذكر إعداداتك وتقديم محتوى مخصص لك. يمكنك التحكم في ملفات تعريف الارتباط من خلال إعدادات المتصفح. لمزيد من المعلومات، يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية لدينا.
قبول
سياسة الخصوصية