هل تعلم أن التفكير، هذا النشاط العقلي الذي نقوم به يوميًا، يستهلك كمية ملحوظة من السعرات الحرارية؟ قد يندهش البعض عندما يعلمون أن الدماغ، على الرغم من أنه يشكل 2% فقط من وزن الجسم، إلا أنه يستهلك ما بين 20% إلى 25% من إجمالي طاقة الجسم، أي ما يعادل 350 إلى 450 سعرة حرارية يوميًا للبالغين، وذلك حتى أثناء أبسط العمليات الذهنية.
هذا الاستهلاك العالي للطاقة يأتي في صورة جلوكوز، حيث يعمل الدماغ، الذي يحتوي على ما يقارب 86 مليار خلية عصبية، كمركز للذاكرة والتفكير واتخاذ القرارات، مما يجعله العضو الأكثر استهلاكًا للطاقة في الجسم. لذلك، فإن عملية التفكير ليست مجرد نشاط ذهني مجرد، بل هي أيضًا عملية حيوية تستهلك السعرات الحرارية بشكل ملحوظ.
يستهلك الدماغ، هذا العضو الحيوي الذي يمثل 2% فقط من وزن الجسم، ما يقارب عُشر سعرة حرارية في الدقيقة الواحدة لمجرد الحفاظ على وظائفه الأساسية واستمرار العمليات الحيوية، أي ما يعادل 1.5 سعر حراري عند بذل مجهود ذهني بسيط كقراءة هذا المقال، وهو معدل استهلاك للطاقة أقل بكثير مقارنةً باستهلاك العضلات للطاقة أثناء النشاط البدني.
فالمشي على سبيل المثال يحرق حوالي أربعة سعرات حرارية في الدقيقة، بينما يمكن أن يحرق الجسم ما يصل إلى عشر سعرات حرارية كاملة في الدقيقة الواحدة عند ممارسة أنشطة رياضية مكثفة كرياضة ملاكمة الرفس (الكيك بوكسينغ)، مما يجعلها خيارًا ممتازًا للأفراد الذين يسعون إلى إنقاص الوزن وحرق المزيد من السعرات الحرارية.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو مقدار السعرات الحرارية التي يستهلكها الدماغ تحديدًا أثناء التفكير العميق أو حل المشكلات المعقدة؟ وهل يزداد معدل استهلاك هذه السعرات الحرارية بازدياد شدة المجهود الذهني المبذول؟ هذا ما سنحاول استكشافه وتوضيحه في هذا المقال، حيث سنتناول بالتفصيل العلاقة بين النشاط الذهني واستهلاك السعرات الحرارية.
ماهي قدرات دماغك؟
يُعدّ العقل البشري قوة حاسوبية هائلة تُنافس، بل وتتفوق في جوانب عديدة، على أعتى الحواسيب العملاقة المُتاحة حاليًا. فعند مقارنة قدرات الدماغ البشري بأقوى حاسوب عملاق مثل “تيتان” الموجود في مختبر أوك ريدج الوطني، يظهر فرق شاسع في كفاءة استهلاك الطاقة.
يُمكن للحاسوب “تيتان” إجراء 17.6 كوادريليون عملية فاصلة عائمة في الثانية (17.6 بيتافلوب)، بينما تُقدّر قوة الحوسبة لدى الدماغ البشري بـ 1 إيكسافلوب، أي ما يُعادل 57 ضعف قدرة “تيتان”.
ورغم التوقعات بتفوّق الآلات على البشر في قوة المعالجة الكاملة خلال عقد من الزمن، إلا أنه من الضروري وضع ذلك في سياقه الصحيح. يستهلك الدماغ البشري البالغ حوالي 20 واط فقط من الطاقة، ما يُعطيه إنتاجية تُقدّر بـ 50 بيتافلوب لكل واط، بينما يُنتج الحاسوب العملاق النموذجي أقل من 2.5 جيجافلوب لكل واط، أي ما يُعادل 1/20 مليون من كفاءة الدماغ.
ولتوضيح الأمر أكثر، يستهلك الحاسوب العملاق “تيتان” 8.2 ميغاواط من الطاقة ويحتاج إلى نظام تبريد سائل ضخم يملأ مبنى بحجم منزل كبير، في حين أن الدماغ البشري، بهذه القدرات الهائلة، يعمل بكفاءة عالية داخل الجمجمة، مستهلكًا طاقة قليلة جدًا تُقاس بالواط، ما يُبرز تفوقه من ناحية كفاءة استهلاك الطاقة، أو ما يُمكن تسميته “السعرات الحرارية” الحاسوبية، مقارنةً بأعتى الحواسيب العملاقة.
أين تذهب السعرات الحرارية؟
تُعتبر السعرات الحرارية وقودًا أساسيًا للجسم، حيث يستهلك الدماغ، على وجه الخصوص، نسبة كبيرة منها لتأدية وظائفه المعقدة. فعلى سبيل المثال، تستخلص الخلايا العصبية ما يُقارب 75% من سكر الدم المتاح (أي السعرات الحرارية)، بالإضافة إلى 20% من الأكسجين، لإنتاج النواقل العصبية الضرورية للتواصل بين الخلايا.
وقد أظهرت فحوصات التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET scan) أن استهلاك الدماغ للطاقة ليس مُتساويًا في جميع مناطقه، بل يتركز بشكل أكبر في الفص الأمامي، المسؤول عن عمليات التفكير العليا. لذا، عند الانخراط في التفكير العميق، كما في التخطيط لوجبة غداء مُغذية تُعوّض السعرات الحرارية المفقودة، يزداد استهلاك هذا الجزء من الدماغ لسكر الدم.
ومن المثير للاهتمام أن أنشطة بسيطة كالقراءة تُساهم في حرق السعرات الحرارية بمعدل 1.5 سعر حراري في الدقيقة. قد يبدو هذا الرقم ضئيلاً للوهلة الأولى، إلا أنه يُصبح ذا دلالة كبيرة عند الأخذ بعين الاعتبار أن الدماغ لا يُمثل سوى 2% من كتلة الجسم. وبحساب مُجمل السعرات الحرارية التي يستهلكها الدماغ على مدار اليوم، نجد أنه يستهلك ما يُقارب 20% من إجمالي السعرات الحرارية اليومية للشخص العادي، أي ما يُعادل 260 سعرًا حراريًا من أصل 1300، أو 10.8 سعرًا حراريًا في الساعة، أو 0.18 سعرًا حراريًا في الدقيقة.
وبذلك، يعمل دماغ الإنسان البالغ المتوسط بقوة تُقارب 12 واط، أي خُمس الطاقة التي يستهلكها مصباح كهربائي تقليدي بقوة 60 واط. ورغم أن الدماغ يُعتبر مُستهلكًا كبيرًا للطاقة مُقارنةً بباقي أعضاء الجسم، إلا أنه يُعد مُوفّرًا للطاقة بشكل مُذهل مُقارنةً بالأجهزة الإلكترونية المُصنّعة، كالكمبيوتر العملاق “واطسون” من شركة IBM، الذي اعتمد على تسعين خادمًا من نوع IBM Power 750، يستهلك كل منها حوالي ألف واط لتشغيله.
تُعدّ السعرات الحرارية، المتمثلة في سكر الجلوكوز، المصدر الرئيسي للطاقة التي تغذي الدماغ، حيث تنتقل هذه الطاقة عبر الأوعية الدموية لتصل إلى خلايا الدماغ. يخترق الجلوكوز الحاجز الدموي الدماغي ليُستخدم في إنتاج الأدينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP)، وهو الجزيء الذي يُعتبر بمثابة العملة الأساسية للطاقة الكيميائية داخل الخلايا العصبية.
وقد أظهرت الدراسات والتجارب، سواء على الحيوانات أو البشر، استجابة فسيولوجية دقيقة تتمثل في تمدد الشعيرات الدموية وزيادة تدفق الدم المحمل بالجلوكوز والأكسجين إلى مناطق الدماغ التي تُطلق فيها العصبونات إشارات عصبية، وذلك لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة.
تُفسر هذه الاستجابة الديناميكية إمكانية إجراء دراسات التصوير العصبي، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، الذي يعتمد على الخصائص المغناطيسية للدم المتدفق استجابةً للنشاط العصبي. تُشير الأبحاث إلى أن خلايا الدماغ تستقبل الجلوكوز الإضافي المنقول عبر الأوعية الدموية المتمددة بكفاءة عالية وفورية.
بناءً على هذه الملاحظات، افترض بعض العلماء وجود علاقة بين النشاط الذهني المكثف ومستويات السكر في الدم، حيث يُفترض أن المهام الذهنية الصعبة تستهلك كميات أكبر من الجلوكوز، مما قد يؤدي إلى انخفاض مستويات السكر في الدم، بينما يُفترض أن تناول الأطعمة الغنية بالسكريات يُحسّن الأداء في هذه المهام. ومع ذلك، لا تزال الأدلة الداعمة لهذه الفرضية محدودة وغير قاطعة، حيث تُظهر معظم الدراسات تغيُّرات طفيفة أو محدودة في مستويات السكر في الدم استجابةً للنشاط الذهني أو تناول السكريات.
هل حرق السعرات أثناء التفكير يفيد في الرشاقة البدنية؟
على الرغم من أن الدماغ يستهلك نسبة كبيرة من طاقة الجسم، حيث يذهب معظمها لعمليات التفكير المعقدة والأنشطة الذهنية الداخلية، إلا أن الاعتماد على حرق السعرات الحرارية الناتج عن التفكير وحده لا يكفي لتحقيق الرشاقة البدنية أو فقدان الوزن.
فالمشاركة في أنشطة ذهنية مكثفة كمسابقات الرياضيات أو التأمل العميق، وإن كانت تساهم في حرق ما يقارب 20 إلى 50 سعرة حرارية إضافية يومياً مقارنة بالاسترخاء، إلا أنها لا تغني عن ممارسة التمارين الرياضية الضرورية لتشغيل العضلات وبناء جسم قوي. في الواقع، يستهلك الدماغ معظم طاقته في الحفاظ على وظائف الجسم الحيوية الأساسية كالتنفس والهضم، سواء كنا نفكر أم لا.
لذا، ينصح خبراء الصحة والتغذية بالتركيز على النشاط البدني المنتظم إلى جانب النظام الغذائي المتوازن لتحقيق أهداف الرشاقة البدنية، بدلاً من الاعتماد على حرق السعرات الحرارية الناتج عن المجهود الذهني فقط، حيث أن حرق السعرات الحرارية الناتج عن التفكير يُعتبر ضئيلاً نسبياً مقارنةً بحرق السعرات الحرارية الناتج عن التمارين الرياضية.
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.