يُعدّ الاستخدام المفرط للهاتف المحمول من أبرز التحديات التي تواجه الأطفال في العصر الحالي، حيث تتجاوز آثاره السلبية مجرد إضاعة الوقت، لتشمل جوانب متعددة من الصحة النفسية والاجتماعية، بالإضافة إلى المشكلات الصحية الجسدية الملموسة. فمن الناحية النفسية، يمكن أن يؤدي الإفراط في استخدام الهاتف إلى العزلة الاجتماعية، وتراجع مهارات التواصل المباشر، وزيادة الشعور بالقلق والاكتئاب.
أما على المستوى الجسدي، فتظهر أعراض مثل آلام العضلات نتيجة الجلوس لفترات طويلة في وضعيات غير صحية، وجفاف العينين بسبب التحديق المستمر في الشاشة، واضطرابات النوم التي تؤثر على جودة حياة الطفل ونموه الطبيعي. لذا، يقع على عاتق الأهل مسؤولية كبيرة في توجيه أطفالهم نحو استخدام متوازن للهاتف، وتقديم الدعم اللازم لتقليل وقت استخدامهم له، وإبعادهم عن مخاطره.
وفي هذا السياق، سنستعرض مجموعة من الاستراتيجيات والنصائح العملية التي يمكن للأهل اتباعها كخطوات إرشادية فعالة، لمساعدة أطفالهم على تحقيق توازن صحي في استخدام التكنولوجيا، والحفاظ على صحتهم وسلامتهم.
كيفية إبعاد الطفل عن الهاتف المحمول
معرفة سبب تعلّق الطفل بالهاتف
يُعتبر الحوار المستمر والفعّال بين الأهل والأطفال بمثابة حجر الزاوية في فهم الأسباب الكامنة وراء تعلق الطفل الشديد بالهاتف، إذ يمكّن هذا التواصل الأهل من اكتشاف الجذور الحقيقية للمشكلة ومعالجتها بشكل جذري. ففي كثير من الأحيان، يلجأ الأطفال إلى الهاتف كوسيلة للهروب من المشاعر السلبية التي قد تعتريهم، مثل القلق والتوتر، والتي قد تنشأ في بيئة المنزل أو المدرسة.
ومن الجدير بالذكر أن الأطفال يميلون بطبيعتهم إلى التحدث عن الأشياء التي تثير اهتمامهم وتستهويهم. لذلك، يمكن للأهل استغلال هذه الخاصية من خلال التفاعل مع أطفالهم أثناء استخدامهم للهاتف، وطرح الأسئلة حول تفاصيل الألعاب والتطبيقات التي يفضلونها. هذا النوع من التواصل لا يعمل فقط على تقليل اندماج الطفل وتركيزه في الهاتف، بل يسهل أيضًا عملية إقناعه بتركه في الوقت المناسب، حيث يشعر الطفل بأن اهتمام الأهل منصب عليه وليس على الهاتف.
تحديد وقت معين لاستخدام الهاتف
يتعين على الآباء توضيح الحدود الزمنية اليومية لاستخدام الهاتف المحمول لأطفالهم، مع تقديم أسباب مقنعة لهذا التحديد، وإجراء مناقشات هادئة وبناءة معهم حول هذا الموضوع. يمكن الاستعانة بتطبيقات الرقابة الأبوية التي تساعد في تتبع نشاط الطفل على الهاتف وتحديد الوقت الذي يقضيه في استخدامه.
بالإضافة إلى ذلك، يُنصح بتطبيق مفهوم “الديتوكس الرقمي”، والذي يتضمن تحديد فترات زمنية ممتدة، تتراوح بين عدة ساعات يوميًا إلى عدة أيام أسبوعيًا، يمتنع خلالها الطفل عن استخدام الهاتف. يهدف هذا الإجراء إلى تعزيز قدرة الطفل على الاستمتاع بوقته بعيدًا عن الشاشات، وتكرار هذه العملية بشكل دوري يساعد في ترسيخ هذه العادة الصحية.
تعيين غرف في المنزل يُمنع استخدام الهاتف داخلها
يُعدّ تحديد الوالدين لأماكن معينة في المنزل يُمنع فيها استخدام الهاتف من قبل الطفل خطوةً أساسيةً في تنظيم استخدامه، وتتضمن هذه الأماكن عادةً المكتب الدراسي لضمان التركيز على الدراسة، وطاولة الطعام أثناء الاجتماعات العائلية لتعزيز التواصل الأسري، وغرفة النوم خاصةً في الليل لما للهواتف من تأثير سلبي على النوم وزيادة السهر، حيث يُنصح بالاعتماد على ساعة التنبيه التقليدية بدلاً من الهاتف. وفي المقابل، يُشجع الطفل على استخدام الهاتف في مكان قريب من الوالدين، كغرفة الجلوس، لتسهيل متابعته والتدخل عند الحاجة.
ومن الجدير بالذكر أن الأطفال يميلون إلى تقليد سلوكيات الكبار أكثر من الاستجابة للتوجيهات الكلامية، لذا فإن التزام الأهل بقواعد استخدام الهاتف في المنزل يشجع الأبناء على فعل الشيء نفسه، مع ضرورة توضيح الحالات الاستثنائية التي قد تستدعي استخدام الهاتف لفترات طويلة، كمتطلبات العمل أو الدراسة.
توفير أنشطة ممتعة بديلة عن الهاتف
لتجنب إدمان الطفل على الهواتف المحمولة، يمكن للأهل توفير أنشطة بديلة ممتعة ومشوقة تشغل وقته وتنمي مهاراته، فبدلاً من السماح له بالانغماس في عالم الشاشات، يمكن إشراكه في أعمال منزلية بسيطة كالمساعدة في الطبخ أو زراعة النباتات، مما يعزز لديه حس المسؤولية وروح التعاون.
كما يمكن ممارسة الأنشطة الرياضية التي تحافظ على لياقته البدنية وتفرغ طاقاته، بالإضافة إلى إجراء التجارب العلمية البسيطة التي تثير فضوله وتنمي مهاراته التحليلية والتفكير النقدي. أما بالنسبة للأعمال اليدوية، فهي تساهم في تطوير مهاراته الحركية الدقيقة وتنمية إبداعه، ولا ننسى أهمية القراءة وقصص ما قبل النوم التي تثري خياله وتوسع مداركه.
إلى جانب ذلك، يمكن تشجيع الطفل على الانخراط في الأندية الخارجية والأنشطة الاجتماعية مثل الكشافة والنوادي الرياضية، حيث يتعرف على أصدقاء جدد ويطور مهارات التواصل الاجتماعي. وأخيراً، لا شيء يضاهي قضاء وقت ممتع مع العائلة في رحلات ونزهات خارجية، مما يعزز الروابط الأسرية ويخلق ذكريات لا تنسى.
التوعية بالاستخدامات المفيدة للهاتف
لإبعاد الطفل عن الهواتف المحمولة، ينبغي على الأهل اتباع نهج متوازن يركز على التوعية والتشجيع على الاستخدام المسؤول، وذلك من خلال توضيح الاستخدامات المفيدة للهاتف التي تتجاوز التسلية وإضاعة الوقت، مثل التواصل مع الأهل والأصدقاء، وإجراء البحوث المدرسية التي تساهم في تطوير مهاراته الاجتماعية والدراسية.
وفي المقابل، يجب تحذير الطفل من مخاطر الاستخدام المفرط للهاتف، مثل التأثيرات السلبية على الصحة النفسية والجسدية، والتعرض لمحتوى غير لائق، ومن الضروري تجنب مكافأة الطفل بوقت إضافي على الهاتف مقابل إنجاز المهام المدرسية أو المنزلية، حتى لا يربط بين استخدام الهاتف والإنجاز الإيجابي، مما قد يؤدي إلى زيادة الوقت الذي يقضيه على الهاتف بدلاً من تقليله.
وبدلاً من ذلك، يمكن تشجيع الطفل على ممارسة الأنشطة البديلة التي تعزز التفاعل الاجتماعي والتنمية الشخصية، مثل القراءة، والرياضة، والهوايات الإبداعية.
الاستعانة بالمختصين عند الحاجة
يتطلب إبعاد الطفل عن الهواتف المحمولة جهودًا متواصلة من الأهل، تتسم بالصبر والحزم، خاصةً في المراحل الأولى لهذه العملية، حيث يجب عليهم التحلي بالثبات والمثابرة حتى يتمكن الطفل من تغيير عاداته، وتصبح الأنشطة الأخرى أكثر جاذبية بالنسبة له من الجلوس أمام شاشة الهاتف.
ومن الضروري أن يدرك الأهل أن هذه العملية قد تستغرق وقتًا، وأن عليهم أن يكونوا مستعدين لمواجهة التحديات التي قد تنشأ خلالها. وفي حال واجه الأهل صعوبات كبيرة في تحقيق هذا الهدف، أو إذا لم تنجح الوسائل التي استخدموها في تغيير سلوك الطفل، فإنه من المستحسن اللجوء إلى المختصين النفسيين والمرشدين التربويين.
فهؤلاء الخبراء يمكنهم تقديم التوجيهات والإرشادات اللازمة للتعامل مع حالة الطفل بشكل فعال، وتغيير نمط استخدامه للهاتف. كما يمكنهم مساعدة الأهل على فهم الأسباب التي تدفع الطفل إلى الإفراط في استخدام الهاتف، وتطوير استراتيجيات مناسبة للتعامل مع هذه الأسباب.
ختاماً
يختلف مقدار الوقت الذي يقضيه الطفل أمام شاشة الهاتف المحمول والذي قد يكون ضارًا بصحته ونموه، باختلاف المرحلة العمرية التي يمر بها، لذا من الضروري أن يدرك الآباء أهمية وضع حدود واضحة لاستخدام أطفالهم للهواتف الذكية.
ففي هذا السياق، توصي الأكاديمية الأميركية للطب النفسي للأطفال والمراهقين (AACAP) بتجنب منح الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 شهرًا أي وقت أمام الشاشات الرقمية على الإطلاق، حيث يجب استبدالها بالأنشطة التفاعلية والتجارب الحسية المباشرة التي تساهم في تطوير مهاراتهم الحركية والمعرفية.
أما بالنسبة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 2 و5 سنوات، فتنصح الأكاديمية بتحديد وقت الشاشة بساعة واحدة فقط خلال أيام الأسبوع العادية، وزيادة هذا الوقت إلى ثلاث ساعات في أيام العطلات الأسبوعية، مع التركيز على اختيار المحتوى التعليمي والتفاعلي المناسب لأعمارهم.
أما بالنسبة للأطفال الذين تزيد أعمارهم عن ست سنوات، فيجب على الآباء توجيههم نحو الاستخدام الصحيح والمسؤول للهواتف الذكية، وذلك من خلال تحديد وقت معين لاستخدامها، وتشجيعهم على ممارسة الأنشطة البدنية والاجتماعية التي تعزز صحتهم الجسدية والنفسية.
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.