كيف أستشعر عظمة الله عز وجل

إنَّ استشعار عظمة الله تعالى واجبٌ دينيٌّ مؤكَّدٌ بنصوص الكتاب والسنة النبوية، ويتجلَّى هذا الاستشعار في إدراك وفهم عظمة أسماء الله الحسنى وصفاته العُلى، فإذا ما ترسَّخت هذه العظمة في قلب المؤمن، فإنَّها لا تلبث أن تسري في جسده وتنتقل إلى جميع أعضائه وجوارحه، مُحوِّلةً هذا الشعور العميق إلى عملٍ صالحٍ وسلوكٍ قويمٍ ظاهرٍ في أفعاله وأقواله.

ويجب على كلِّ مسلمٍ أن يُوقنَ إيقاناً جازماً بأنَّ له ربّاً عظيماً مُتَّصفاً بصفات الكمال والجلال، فهو العليُّ الكبيرُ المُتعالُ الحيُّ القيومُ مالكُ يوم الدين، الفردُ الصمدُ الواحدُ الأحدُ، المُستحقُّ لكمالِ العبوديةِ والخضوعِ، فإذا ما حقَّقَ المؤمنُ هذه المعرفةَ اليقينيةَ واستقرَّت في قلبه، انعكس ذلك على حياته، فأصبحت الاستقامةُ والالتزامُ بأوامر الله واجتناب نواهيهِ شعاراً له وقِواماً لحياته، ومنهجاً ثابتاً لا يحيدُ عنه، ممّا يُثمرُ الخشيةَ والإجلالَ لله في السرِّ والعلن، ويدفعُ إلى المسارعةِ في الخيراتِ والتوبةِ من الذنوبِ والخطايا.

عتاب القرآن لمن غفل عن تعظيم الله سبحانه

يُعتبر تعظيم الله سبحانه وتعالى من أسمى معاني الإيمان وأجلّها، وقد أولى القرآن الكريم هذا الجانب اهتمامًا بالغًا، حيث نجد فيه عتابًا إلهيًا لطيفًا موجّهًا للذين غفلوا عن إدراك عظمة الله وقدره حق قدره. يتجلى هذا العتاب في تكرار آية جليلة في ثلاثة مواضع مختلفة من القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}. هذا التكرار ليس من قبيل الصدفة، بل هو دليل قاطع على أهمية هذه الآية وعمق دلالتها في بيان عظمة الله المطلقة.

في سورة الأنعام، الرد على منكري الوحي والنبوة:

وردت الآية الكريمة في سورة الأنعام في سياق الرد على أولئك الذين أنكروا نزول الوحي الإلهي على البشر واستهانوا بمقام النبوة، حيث قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ}.

هذا الإنكار منهم يكشف عن قصور في فهمهم لعظمة الله وحكمته، فلو أنهم أدركوا قدر الله وعظمته إدراكًا حقيقيًا، لعلموا يقينًا أن إنزال الوحي وإرسال الرسل هو عين الحكمة الإلهية، وأن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يترك خلقه سدى دون هداية ومنهاج قويم. ففي هذا الموضع، تُبرز الآية عظمة الله في حكمته ورحمته بخلقه من خلال إرسال الرسل وإنزال الوحي.

في سورة الحج، بيان ضعف المعبودات الباطلة وعجزها:

تأتي الآية في سورة الحج في سياق الحديث عن ضعف الأصنام والمعبودات التي تُعبد من دون الله، وبيان عجزها المطلق عن أي فعل حقيقي، حتى عن خلق ذبابة صغيرة، ولو اجتمعت كل قواها لذلك، بل إنها تعجز حتى عن الدفاع عن نفسها إذا سلبها الذباب شيئًا من طعامها أو طيبها، حيث قال تعالى معقبًا على هذه الأوصاف: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}. هنا، تُستخدم الآية لإبراز عظمة الله في قوته وعزته المطلقة، مقابل ضعف وعجز ما يُعبد من دونه، لتثبيت وحدانية الله واستحقاقه للعبادة وحده.

في سورة الزمر، تأكيد التوحيد ونبذ الشرك وبيان القدرة الإلهية:

في سورة الزمر، تأتي الآية في سياق الحديث عن توحيد الله ونبذ الشرك بكل صوره وأشكاله، حيث تُستخدم كدليل قاطع على قدرة الله وعظمته في تملُّك مقاليد السماوات والأرض، وأن كل شيء فيهما يقع في قبضته وتحت سلطانه المطلق، حيث يقول تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}. في هذا الموضع، تُظهر الآية عظمة الله في قدرته وسلطانه المطلق على الكون، وأن كل شيء خاضع لمشيئته وإرادته.

من خلال هذه المواضع الثلاثة، يتضح لنا كيف يُستخدم القرآن الكريم آية {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} لتأكيد معاني عظيمة تتعلق بـ عظمة الله، سواء في حكمته ورحمته، أو في قوته وعزته، أو في قدرته وسلطانه المطلق. إنها دعوة للتفكر والتدبر في آيات الله وإدراك عظمته حق الإدراك.

أهمية استشعار عظمة الله في حياة المسلم

يُعدّ استشعار عظمة الله تعالى من المفاهيم الأساسية في حياة المسلم، إذ يُولّد هذا الاستشعار صفات عظيمة تنعكس على سلوكه وعبادته. فمن أهمّ آثار استشعار عظمة الله تعالى، إعانة المؤمن على العبادة والطاعة الخالصة، والتواضع والخضوع لأوامره سبحانه، ممّا يُثمرُ انعدام الخوف من أيّ مخلوقٍ سواه، ويمنحه الجرأة والشجاعة في قول الحقّ والدفاع عنه مهما كانت التضحيات، حتى لو كلّفه ذلك حياته.

كما يُؤدّي استشعار عظمة الله إلى تعظيم حرماته وإجلال أوامره، فيحرص المسلم على اجتناب نواهيه والامتثال لأوامره بخشيةٍ وإجلال. ويتجلّى هذا الاستشعار أيضاً في تعظيم الذنب في نفس المؤمن، فيمتنع عن الاستهانة بأيّ ذنبٍ مهما صَغُر، سواءً كان ظاهراً أو خفياً، ممّا يدفعه إلى الإكثار من محاسبة نفسه ومراجعتها باستمرار، والرجوع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار. فاستشعار عظمة الله هو مفتاحٌ للتقوى والخشية، ومنبعٌ للطاعة والاستقامة في حياة المسلم.

كيفية استشعار عظمة الله

التفكر في مخلوقات الله 

إن استشعار عظمة الله يتجلى في التفكر العميق في مخلوقاته البديعة، حيث أمرنا الله تعالى بإعمال العقل وإدارة الفكر في عجائب صنعه وإتقان خلقه في ملكوته الواسع، ودعانا إلى النظر في أنفسنا وفي الكائنات من حولنا، متأملين كيف أبدع الخالق في صنعها، فالتفكر في هذه المخلوقات يقوي الإيمان ويزيد اليقين بأنه الخالق لكل شيء، مصداقًا لقوله تعالى: “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ”.

وفي هذا السياق، نهانا الله تعالى عن التفكر في ذاته العلية لأن العقل البشري قاصر عن إدراك حقيقته سبحانه، لكنه حثنا على التفكر في مظاهر عظمته وجلاله في خلقه، كالتفكر في أنفسنا وفي السماوات والأرض وما فيهن من آيات بينات تدل على عظمة الخالق وقدرته، كما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أُذِنَ لي أن أُحدِّثَ عن مَلَكٍ مِنْ ملائكةِ الله من حَمَلة العرش: إن ما بين ‌شَحمةِ ‌أذُنِه إلى عاتِقِه مَسيرةُ سبع مئةِ عام”، وهذا مثال واحد من أمثلة كثيرة تدل على عظمة خلق الله تعالى وعظمة ملكوته.

العلم بأسماء الله وصفاته

إنّ استشعار عظمة الله تعالى يتجلّى في العلم بأسمائه وصفاته الحسنى، حيث تُعدّ معرفة الله تعالى، وفهم مدلولات أسمائه وصفاته، وإدراك معانيها الحقيقية، من أهمّ الوسائل التي تُرسّخ عظمة الله في قلب المسلم، وتُورثه خشيةً وتقديراً ومحبّةً له. فالأرواح المؤمنة تتوق إلى معرفة خالقها، وتجد راحتها وبهجتها في العلم به، ولا يتحقّق ذلك إلا بإدراك أسمائه وصفاته العليا.

فالعلاقة بين معرفة أسماء الله وصفاته والقرب منه علاقة طردية وثيقة، فكلّما ازداد المسلم علماً وفهماً لأسماء الله وصفاته، ازداد قربه من الله تعالى، وأصبح أكثر إدراكاً لعظمته، وكلّما قلّ علمه بها، قلّ قربه منه. فالله تعالى يُنزّل الناس منازلهم عنده، ويُقرّبهم أو يُبعدهم بحسب علمهم بأسمائه وصفاته، فمن كان أعلم بصفات الله وأسمائه، أنزله الله منزلةً أرفع وأعلى من غيره، ممّا يُؤكّد أهمية هذه المعرفة في تعزيز استشعار عظمة الله تعالى في قلب المؤمن.

قراءة القرآن وتدبره

إن استشعار عظمة الله تعالى من أجلّ المقامات الإيمانية، وسبيل ذلك يكمن في تدبر القرآن الكريم، فمن قرأ كتاب الله وتأمل آياته وتعمق في معانيها، أيقن بأنه دليل قاطع على عظمة الخالق سبحانه، مصداقًا لقوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}، فالقرآن الكريم هو أقصر الطرق وأقربها إلى معرفة الله تعالى واستشعار عظمته، فمن خلاله نتعرف على أسماء الله الحسنى ومعانيها الجليلة، ونفهم صفاته العليا وندرك حقيقتها.

وكما قال الإمام الآجري رحمه الله: “ومن تدبّر كلامه عرف الربّ عزّ وجلّ فاستغنى بلا مال، وعزّ بلا عشيرة، وأنس بما يستوحش منه غيره، وكان همّه عند التلاوة للسورة إذا افتتحها متى أتعظ بما أتلو؟ ولم يكن مراده متى أختم السورة؟ وإنّما مراده متى أعقل عن الله الخطاب؟” فالتدبر في القرآن الكريم هو مفتاح استشعار عظمة الله تعالى، وهو سبيل الفهم العميق لكلامه وصفاته وأسمائه.

الاعتبار بأخبار السابقين

إن استشعار عظمة الله تعالى يتجلى في جوانب عديدة، من أهمها الاعتبار بأخبار السابقين وقصصهم كما وردت في القرآن الكريم، حيث تحمل هذه القصص عِظات وعبرًا عميقة تزرع في قلب المسلم الخشية والمهابة والتعظيم لله، وتدفعه إلى التقرب إليه سبحانه. ففي تتبع أخبار الأمم السابقة والعصور الماضية، يجد المسلم رادعًا قويًا عن المعاصي وزاجرًا عن الفساد، إذ يرى بأم عينه كيف أحلّ الله بأقوام عقابه ونقمته بسبب عصيانهم، وكيف أن سنته تعالى ماضية في خلقه، حيث يرحم من أطاعه ويكرمه، ويعذب من عصاه ويهينه.

هذه القصص القرآنية ليست مجرد حكايات تاريخية، بل هي دروس حية وتذكير دائم بعظمة الله وقدرته وعدله، كما قال تعالى: “فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ”، أي ليتفكروا ويعملوا عقولهم ويتعظوا بما حلّ بالأمم السابقة من عقوبات بسبب معصيتهم، فينزجروا وينكفوا عن ارتكاب ما يغضب الله، وهذا ما أكده الشنقيطي رحمه الله في تفسيره، مشددًا على أهمية إعمال الفكر في هذه القصص للاتعاظ بمَثُلات الله وعقابه لمن عصاه في الماضي، ليكون ذلك رادعًا وزاجرًا للأجيال اللاحقة.


اكتشاف المزيد من عالم المعلومات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

ما رأيك بهذه المقالة؟ كن أول من يعلق

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على موقعنا. تساعدنا هذه الملفات على تذكر إعداداتك وتقديم محتوى مخصص لك. يمكنك التحكم في ملفات تعريف الارتباط من خلال إعدادات المتصفح. لمزيد من المعلومات، يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية لدينا.
قبول
سياسة الخصوصية