كيف تضع ميزانية للراتب تحميك من الإفلاس

يعد الإفلاس المالي كابوسا يهدد الكثيرين، إلا أن وجود أداة بسيطة وفعالة كالميزانية يمكن أن يشكل حصنا منيعا ضد هذا المصير. فالميزانية ليست مجرد أرقام وجداول معقدة، بل هي فلسفة حياة متكاملة ترتكز على التخطيط المالي السليم والإنفاق الذكي والواعي، وتمثل خارطة طريق تنير درب الفرد نحو تحقيق أهدافه المالية على اختلافها.

إن امتلاك مهارات الإدارة المالية الأساسية، وعلى رأسها إدارة مصادر الدخل بحكمة وعقلانية، يعتبر من أعظم إنجازات الحياة، حيث تساعد الميزانية الشخصية الفرد على تتبع مسار نفقاته بدقة، وتمنع تبخر الراتب في أيام معدودة، وذلك من خلال وضع خطة واضحة وشاملة تحدد أوجه الإنفاق المختلفة.

إن وضع ميزانية محكمة للتحكم في النفقات ليس أمرا مستحيلا، بل هو مهارة قابلة للتعلم والتطوير، مع الأخذ في الاعتبار أن لكل فرد ميزانية مالية خاصة به تتناسب مع ظروفه واحتياجاته، حيث لا توجد طريقة واحدة مثلى لإدارة الميزانية تناسب الجميع. ولذلك، يمكن للفرد الاستعانة بجداول الميزانيات المختلفة المتاحة، أو إنشاء نموذج بسيط خاص به يتناسب مع نمط حياته وأولوياته، مما يساعده على مراقبة وتوجيه مسار نفقاته بكفاءة وفاعلية، ويحميه من الوقوع في براثن الإفلاس.

خطوات عمل الميزانية

لعمل الميزانية الخاصّة بالشخص يُمكن اتّباع الخطوات التالية:

خطوات أولية

اولا قم بتحديد مصادر الدخل بدقّة، حيث يجب على الفرد معرفة إجمالي الأموال التي يحصل عليها شهرياً. في حال وجود دخل متغيّر، يُنصح بحساب متوسّط الدخل الشهري لتقدير التدفقات النقديّة بشكل واقعي، ما يُساعد في وضع خطّة إنفاق مُحكمة.

ثانيا قم بتحديد النفقات الثابتة، وهي المصاريف التي لا تتغيّر قيمتها من شهر لآخر، وتشمل بنوداً أساسية مثل إيجار المسكن، وأقساط القروض الشخصية أو قروض السيّارات، وفواتير الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء، بالإضافة إلى أقساط التأمين والاشتراكات الثابتة. هذه النفقات تُشكّل جزءاً أساسياً من الميزانية ولا يُمكن تغييرها على المدى القصير.

أمّا الخطوة الثالثة، فتتمثّل في تحديد المصاريف المتغيرة، وهي النفقات التي يُمكن التحكّم فيها وتختلف قيمتها من شهر لآخر. تشمل هذه المصاريف نفقات البقالة والمواد الغذائية، وتكاليف تناول الطعام في المطاعم والكافيهات، وشراء الملابس، ومصاريف الترفيه والتسلية، بالإضافة إلى نفقات المواصلات والوقود. تُعرف هذه المصاريف بالمتغيرة لأنّ الفرد يستطيع تعديلها وخفضها حسب الحاجة والوضع المالي، ما يُساعد في تحقيق التوازن في الميزانية وتوفير جزء من الدخل للادخار أو الاستثمار.

من خلال تحديد هذه الجوانب الثلاثة للدخل والنفقات الثابتة والمتغيرة، يُمكن للفرد وضع ميزانية شخصية شاملة وواقعية تُساعده في إدارة أمواله بكفاءة وتحقيق أهدافه المالية.

خطوات خلال الشهر

تبدأ هذه الخطوات بمقارنة النفقات بالدخل، حيث يُعتبر التوافق بينهما هدفًا رئيسيًا لإنشاء ميزانية مثالية، فإذا تساوى الإنفاق مع الدخل، أي تمّ تخصيص كل دولار من الدخل لنفقة مُحددة، يُطلق على ذلك “ميزانية الصفر دولار”. أما في حال عدم تطابق الدخل مع النفقات، يصبح من الضروري ضبط الميزانية بما يتناسب مع الراتب الشهري، ويتحقق ذلك من خلال تقليص النفقات المتغيرة مثل المصاريف الترفيهية أو التسوق غير الضروري.

وإذا نتج عن هذا التقليص فائض مالي في نهاية الشهر، يُنصح بتوجيهه نحو الادخار لتعزيز الاستقرار المالي المستقبلي. وفي حال استمرار عدم كفاية الدخل لتغطية النفقات الثابتة كالإيجار أو أقساط القروض، حتى بعد تقليص النفقات المتغيرة، يتعين البحث عن حلول جذرية لتغيير هذه النفقات الثابتة، كالانتقال إلى مسكن أقل تكلفة أو إعادة تمويل القروض بشروط أفضل. كما يُمكن اللجوء إلى البحث عن عمل إضافي أو وظيفة جديدة براتب أعلى لزيادة مصادر الدخل.

بالإضافة إلى ذلك، من المهم متابعة النفقات بشكل دوري خلال الشهر للتحكم في المصروفات ومنع أي إنفاق زائد عن الحد المُخطط له في الميزانية. وقد يستدعي الأمر إعادة ضبط الميزانية في منتصف الشهر أو في أي وقت عند ظهور ظروف طارئة أو نفقات غير متوقعة، كحالات الإصلاحات المنزلية أو أعطال السيارة، ما يتطلب تعديل بنود الإنفاق الأخرى لتغطية هذه النفقات الطارئة.

وأخيرًا، تأتي مرحلة تقييم الميزانية في نهاية الشهر، حيث يُراجع الفرد أداء الميزانية ويُحلل النتائج، ويُجري التعديلات أو التبديلات اللازمة عليها لتناسب احتياجاته وظروفه المالية المُتغيرة، ما يضمن فاعلية الميزانية في تحقيق الأهداف المالية على المدى الطويل.

المحافظة على الميزانية

للحفاظ على ميزانية الأسرة أو ميزانية الفرد وإدارتها بكفاءة، يُنصح باتباع استراتيجيات مالية مُحكمة، تبدأ بالتركيز على مبدأ الوقاية كأفضل وسيلة لتجنب النفقات غير المتوقعة الناتجة عن إصلاح الأعطال، ما يُساهم في توفير المال على المدى الطويل.

كما يُعتبر الادخار ركيزة أساسية في بناء ميزانية سليمة، حيث يُوصى بتخصيص نسبة مُحددة من الدخل للادخار، وليكن 5% كبداية أو أي نسبة تتناسب مع الوضع المالي للفرد، مع إمكانية زيادة هذه النسبة تدريجياً مع اكتساب المزيد من الخبرة في إدارة الميزانية والتخطيط المالي.

إضافةً إلى ذلك، يُعدّ التخطيط المالي المرن عاملاً مهماً في مواجهة الظروف الطارئة، وذلك من خلال التدرب على إعادة توزيع الأموال بين بنود الصرف المختلفة من شهر لآخر، دون الحاجة إلى سحب مدخرات الطوارئ، فعلى سبيل المثال، إذا كان الهدف شراء جهاز تلفزيون جديد، يُمكن تقليل المصروفات في بنود أخرى كتقليل تناول الطعام في المطاعم.

وأخيراً، من الضروري جداً الحرص على أن تكون النفقات دائماً أقل من الدخل، وهذا لا يعني بالضرورة الحرمان من المتع والاحتياجات، بل يهدف إلى إدارة الموارد المالية بحكمة، وتوجيه الإنفاق نحو الأولويات الأكثر أهمية، وتقليل الصرف في الكماليات أو الأمور الأقل أهمية، ما يُساهم في تحقيق التوازن المالي واستقرار الميزانية.


اكتشاف المزيد من عالم المعلومات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

ما رأيك بهذه المقالة؟ كن أول من يعلق

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على موقعنا. تساعدنا هذه الملفات على تذكر إعداداتك وتقديم محتوى مخصص لك. يمكنك التحكم في ملفات تعريف الارتباط من خلال إعدادات المتصفح. لمزيد من المعلومات، يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية لدينا.
قبول
سياسة الخصوصية