إن الدعاء، وهو مناجاة العبد لربه، عبادة عظيمة وعد الله سبحانه وتعالى عباده بالإجابة عليها، مصداقًا لقوله الكريم: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ»، إلا أن لاستجابة الدعاء شروطًا وآدابًا ينبغي على الداعي مراعاتها ليحظى بقبول دعائه ونيل مراده؛ فمن أهم هذه الشروط إحسان الظن بالله تعالى، والثقة المطلقة بكرمه وجوده، والإيقان بأنه سميع مجيب، تصديقًا بوعده الحق وصدق رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
كما يتوجب على المسلم أن يحرص على طيب مطعمه ومشربه وملبسه، وأن يتجنب الحرام بكل صوره وأشكاله، فقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مغبة التهاون في هذا الأمر، حيث قال في الحديث الشريف عن الرجل الذي يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك.
الثقة بالله تعالى وبإجابته للدعاء هي جوهر العبادة، حيث ينبغي على العبد أن يؤمن إيمانًا راسخًا بقدرة الله واستجابته، وأن يصدق بوعده الحق وصدق نبيه صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عنه، فالدعاء سلاح المؤمن، وصلته بربه، ومتى استوفى شروطه وآدابه كان أقرب إلى الإجابة والقبول.
كيف يُستجاب الدعاء
هناك العديد من الأمور التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها؛ حتى يكون الدّعاء أدْعى للإجابة، ومنها ما يأتي:
طِيب المَأكل والمَشرب
يُعدّ الدعاء من أعظم العبادات التي يتقرّب بها العبد إلى ربّه، ورغبةً في استجابة الدعاء، ينبغي للمسلم أن يحرص على جملة من الأمور الجوهرية. من أهمّ هذه الأمور، مسألة طِيب المَأكل والمَشرب والمَلبس؛ حيث يلعب هذا الجانب دوراً حاسماً في استجابة الدعاء، فالعبد الذي يحرص على أن يكون طعامه وشرابه ولباسه من مصادر حلال طيبة، يكون دعاؤه أقرب إلى القبول والإجابة من الله تعالى.
ويستند هذا الأمر إلى الحديث النبوي الشريف الذي يبيّن أثر الحرام على استجابة الدعاء، حيث قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- واصفاً حال رجل قد يستوفي ظاهرياً أسباب الإجابة من طول سفر ورفع يدين وتكرار للنداء: (الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، يا رَبِّ، يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِيَ بالحَرامِ، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلكَ).
هذا الحديث يوضح بجلاء أن اكتساب المال من مصادر غير مشروعة والتغذي على الحرام يُعدّ مانعاً قوياً من موانع استجابة الدعاء، ممّا يُحتم على المسلم التحرّي الشديد في مصادر رزقه واجتناب كلّ ما فيه شبهة أو حرمة، ليُفتح لدعائه أبواب القبول والرضوان.
الثقة بالله -تعالى- وبإجابته للدعاء
يُعدّ الدعاء من العبادات الجليلة التي يتقرّب بها العبد إلى ربّه، ويُعتبر سلاحًا فعّالًا للمؤمن في مواجهة تحديات الحياة، وتحقيق الأمنيات، ولتحقيق الاستجابة المرجوة للدعاء، ينبغي على الداعي أن يُحسن الظنّ بالله تعالى، وأن يثق بقدرته وإجابته، فالإيمان بالله والثقة به وبوعده من أهمّ مفاتيح استجابة الدعاء، حيث يجب على العبد أن يُوقن بأنّ الله هو الحقّ، وأنّ وعده حقّ، وأنّ كلّ ما جاء به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم هو الصدق الذي لا مرية فيه.
فالثقة المطلقة بالله تعالى وبإجابته للدعاء تُعتبر من أهمّ شروط استجابة الدعاء وقبوله، حيث إنّ انقطاع الرجاء واليأس من الإجابة يُعتبر مانعًا من موانع استجابة الدعاء، فمتى ما أقبل العبد على الله بقلبٍ مُخلصٍ مُوقنٍ بالإجابة، كان ذلك أدعى لتحقيق مطلوبه وقبول دعائه.
الثناء على الله والصلاة على نبيّه
لإجابة الدعاء آداب وشروط يُستحبّ للمسلم مراعاتها. من أهمّ هذه الآداب البدء بالثناء على الله تعالى وتمجيده بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى، مع الخشوع والتضرّع وحضور القلب أثناء الدعاء، ثمّ الصلاة على النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم، حيث تُعدّ الصلاة عليه من الدعاء المُستجاب، لما لها من فضل عظيم عند الله تعالى.
وقد ذهب بعض العلماء إلى استحباب افتتاح الدعاء واختتامه بالحمد والصلاة على النبيّ، لما في ذلك من تعظيم لله تعالى ورجاء إجابة الدعاء ببركة الصلاة على النبيّ الكريم. فبعد هذا الثناء والتمهيد الروحاني، يدعو المسلم ربّه بِما يشاء من خيري الدنيا والآخرة، مُوقنًا بِكرم الله تعالى وجوده، وأنّه لا يردّ سائلاً دعاه بإخلاص وحضور قلب، مُتحرّيًا أوقات الإجابة وأحوالها.
تحرّي المواطن التي يستجيب الله فيها الدعاء
لكي يكون الدعاء مستجابًا بإذن الله، ينبغي للعبد أن يتحرى المواطن والأوقات التي يُرجى فيها الإجابة، ومن أهمها حالة السجود، حيث يكون العبد في أقرب ما يكون من ربه. وقد ورد في القرآن الكريم مثالٌ جليٌ على استجابة الله للدعاء في هذه الحالة، وذلك في قصة زكريا عليه السلام، حيث دعى ربه أن يرزقه ذرية طيبة، فاستجاب الله دعاءه وبشرته الملائكة بيحيى عليه السلام وهو قائم يصلي في المحراب، كما قال تعالى: “هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ”.
ففي هذه الآية الكريمة، نرى كيف اقترن الدعاء بالصلاة والقيام في المحراب، مما يدل على أهمية هذه الحالة في استجابة الدعاء، ويحث المسلم على الاجتهاد في الدعاء بإخلاص وحضور قلب، وتحري الأوقات والأحوال التي يُرجى فيها القبول، كالسجود وأوقات الصلاة، مع الإيمان بأن الله سميع الدعاء ومجيب السائلين.
الدعاء بأسماء الله الحُسنى
يُعتبر الدعاء من العبادات الهامة في الإسلام، وهو الصلة المباشرة بين العبد وربه. وقد حثّ الله عباده على الدعاء ووعدهم بالإجابة، كما في قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (غافر:60). ومن آداب الدعاء وأسباب استجابته، التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى، حيث قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف:180).
فالدعاء بأسماء الله الحسنى يُعد من أعظم وسائل التوسل إلى الله، حيث يتضمن الاعتراف بكمال الله وجلاله وعظمته، والتضرع إليه بأسمائه وصفاته التي تناسب حاجة الداعي. فعلى سبيل المثال، إذا كان الداعي يسأل الرزق، فإنه يتوسل إلى الله باسمه “الرزاق”، وإذا كان يسأل الرحمة، فإنه يتوسل إليه باسمه “الرحيم”. وهكذا، فإن الدعاء بأسماء الله الحسنى يُعد من الأدعية الجامعة التي تجمع بين الثناء على الله والتضرع إليه بالطلب، وهو من أسباب إجابة الدعاء وقبول العمل. فالدعاء هو جوهر العبادة وسرّ الصلة بالله، والتوسل بأسمائه الحسنى هو مفتاح القبول والإجابة.
الإكثار من الأعمال الصالحة
يُحثّ العبد على الاجتهاد في فعل الخيرات والأعمال التي تُرضي الله، ويرجو من خلالها استجابة دعائه وتحقيق ما يطمح إليه، ويتحقّق العمل الصالح بقصد الإخلاص لله عزّ وجلّ في النيّة والعمل، واحتساب الأجر منه وحده، ممّا يُطهّر القلب ويُقوّي الصلة بين العبد وربّه، فيكون ذلك سببًا في تيسير الإجابة وقبول الدعاء، فالدعاء المقرون بالعمل الصالح يُعتبر من أقوى أسباب استجابة الدعاء وقضائها.
التقرُّب إلى الله -عزّ وجلّ- بالنوافل
ينبغي على المسلم أن يُكثر من التقرّب إلى الله -عزّ وجلّ- بالنوافل، وذلك بعد إتمام الفرائض، حيث يُساعد الإكثار من النوافل على زيادة الصلة بالله تعالى، وبالتالي يكون العبد أقرب للإجابة، كما يُستحبّ للمسلم أن يدعو الله -تعالى- ويتقرّب إليه في السرّاء والرخاء، لا في الشدائد والكرب فقط، مصداقًا لقول الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-: (من سرَّه أن يستجيبَ اللهُ له عندَ الشَّدائدِ والكُرَبِ، فلْيُكثِرِ الدُّعاءَ في الرَّخاءِ).
فالإكثار من الدعاء في وقت الرخاء يُعدّ من أهمّ مفاتيح استجابة الدعاء عند الشدائد، ومن مظاهر التقرّب إلى الله أيضًا الإكثار من ذِكره -تعالى- في جميع الأحوال والأوقات، فذكر الله يُنير القلب ويُطهّر النفس ويُقرّب العبد من خالقه، ممّا يُهيّئ القلب لحضور الخشوع والإخلاص في الدعاء، وهما من أسباب الإجابة، فالدعاء المقرون بالتقرّب إلى الله بالنوافل وذكره في السرّاء والضرّاء هو دعاءٌ يُرجى له القبول والإجابة بإذن الله.
دعاء الله تعالى وحده لا شريك له
لا يجوز للمسلم أن يتوجه بالدعاء إلى غير الله من الأنبياء أو الأولياء أو غيرهم، بل يجب أن يكون الدعاء خالصًا لله وحده لا شريك له، كما يجب على المسلم أن يحرص على أداء الفرائض والواجبات المطلوبة منه وعدم الانشغال بالدعاء عنها، فالدعاء عبادة مكملة للعبادات الأخرى وليس بديلًا عنها، ويُستحب للمسلم أن يدعو الله تعالى في كل وقت وحين، وفي السراء والضراء، وأن يُلح في الدعاء ولا ييأس من الإجابة، فالله تعالى قريب من عباده ويُجيب دعوة الداعي إذا دعاه.
مواطن استجابة الدعاء
هناك العديد من المواطن التي تُعَدّ مَظنّة إجابة الدعاء، ومن هذه المواضع ما يأتي:
- الدعاء بين الأذان والإقامة، وما بَعد الإقامة؛ والأذان ذِكرٌ فيه الشهادتان، ويكون بصوتٍ يسمعه الناس جميعهم، وهو يدعو إلى ذِكر الله -تعالى-، وقد قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (الدعاءُ لا يُردُّ بين الأذانِ والإقامةِ).
- الدعاء عند السجود؛ لأنّ المسلم حال سجوده يكون في كامل عبوديّته، وخضوعه، وامتثاله لخالقه، واضعاً جبهته على الأرض، فيكون الظنّ بالله أن لا يردّه خائباً، وهو من أكثر المواضع التي يكون فيها العبد قريباً من ربّه -سبحانه وتعالى-، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ).
- الدعاء بعد الانتهاء من أداء الصلاة المفروضة، بدليل قول النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: (إذا انصرفتَ من صلاةِ المغربِ، فقل قبلَ أن تُكلِّمَ أحدًا: اللَّهمَّ أجرني منَ النَّارِ سبعَ مرَّاتٍ، فإنَّكَ إذا قلتَ ذلِك ثمَّ متَّ في ليلتِكَ؛ كتبَ لَك جوارٌ منها، وإذا صلَّيتَ الصُّبحَ فقل كذلِك، فإنَّكَ إذا متَّ في يومِكَ؛ كتبَ لَك جوارٌ منها).
- الدعاء في وقت الصيام، وعند الإفطار منه؛ فإنّ دعوة الصائم عند فِطره لا تُرَدّ؛ قال النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: (لكلِّ عبد صائمٍ دعوةٌ مستجابةٌ عندَ إفطارِه أُعطِيها في الدنيا أو ادُّخِرَتْ لهُ في الآخرةِ).
- الدعاء بعد قراءة القرآن وخَتمه؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن قرأ القرآنَ فلْيَسْأَلِ اللهَ به، فإنه سيَجِيءُ أقوامٌ يقرؤون القرآنَ يسألونَ به الناسَ).
- الدعاء عند السفر؛ فللمسافر دعوة لا تُرَدّ، وذلك بشرط ألّا يكون سفره في معصية الله -تعالى-، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاث دعواتٍ مستجاباتٌ دعوةُ المظلومِ ودعوةُ المسافرِ ودعوةُ الوَالِد على وَلدهِ).
- الدعاء أثناء القتال في سبيل الله؛ فالمجاهد يُضحّي بنفسه وماله؛ رغبة في نَيل رضى الله -تعالى-، وإعلاء كلمته، وقد أخرج ابن حبّان في صحيحه حديث: (ساعتانِ تُفتَحُ فيها أبوابُ السَّماءِ: عندَ حضورِ الصَّلاةِ وعندَ الصَّفِّ في سبيلِ اللهِ).
- الدعاء في الأوقات التي يجتمع فيها المسلمون يذكرون الله؛ فقد ورد عن أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ).
- الدعاء بظهر الغيب؛ فدعاء المسلم لأخيه المسلم مُستجاب، كما أنَّ الملائكة تُؤمّن عليه، وتدعو لصاحبه بمثله.
- الدعاء من الوالد لابنه؛ سواء كانت له، أو عليه، فإن كانت عليه، فإنّه يُستَجاب في حال كان الولد عاقّاً لأبيه.
- الدعاء حين الوقوع في الظُّلم، وحين الوقوع في كَرب؛ فقد قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فإنَّهَا ليسَ بيْنَهَا وبيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ)؛ إذ يرفعها الله -تعالى-، ويفتح لها أبواب السماء، ويَعِدُ صاحبَها بالنَّصر، وقد قال -تعالى- في المُضطّر: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ)، أمّا الذي وقع في الكرب، كمَن يكون حاله كحال سيّدنا يونس -عليه السلام-، فإنّه لا يجد له فرجاً سوى الله -تعالى-.
- الدعاء عند نزول الغيث من السماء، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: (ثِنتانِ لا تُردَّانِ الدُّعاءُ عندَ النِّداءِ وعندَ البأسِ حينَ يُلحِمُ بعضُهم بعضًا ويُروى وتحتَ المطرِ).
- الدعاء حين المرض؛ فقد قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (إذا دخلتُ على مريضٍ فمُرهُ فليدعُ، فإن دعاءهُ كدعاءِ الملائكةِ)؛ فإن دعوة المريض لا تردّ بإذن الله -تعالى-.
- الدعاء الصادر من أولياء الله -تعالى-؛ لأنّهم يمتثلون أوامر الله -تعالى-، وكما أنّهم يمتثلونها، فإنّ الله -تعالى- يُجازيهم بتحقيق ما يريدونه.
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.