ليلة القدر: نافذة الرحمة والبركة في شهر رمضان الفضيل

ليلة القدر، يا لها من كلمة تحمل في طياتها من البركة والفضل ما لا يحصى! إنها ليست مجرد ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك، بل هي جوهرة ثمينة تتلألأ في العشر الأواخر منه، وهي بمثابة منحة ربانية عظيمة للأمة الإسلامية. ليلة القدر، تلك الليلة التي اختصها الله -عز وجل- بمنزلة رفيعة وشأن عظيم، وجعلها خيرًا من ألف شهر، مما يجعلها فرصة لا تقدر بثمن لكل مسلم يسعى لنيل رضا الله ومغفرته.

فما هي حقيقة هذه الليلة المباركة؟ وما هو وقتها المحدد؟ وما هي العلامات التي قد تدل على وقوعها؟ وما هي أفضل الأعمال التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها فيها؟ هذه التساؤلات وغيرها تدور في أذهان المؤمنين مع اقتراب هذه الأيام الفاضلة، سعيًا منهم لاغتنام كل لحظة من لحظاتها المباركة.

ليلة القدر، كما هو معلوم من النصوص الشرعية، هي ليلة من الليالي العشر الأواخر من شهر رمضان، إلا أنها لم تُحدد بليلة معينة، وهذا في حد ذاته حكمة بالغة، إذ يدفع المسلمين إلى الاجتهاد والتحري في جميع ليالي هذه العشر المباركة، لعله يوفق لقيام هذه الليلة العظيمة.

فقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فَالْتَمِسُوهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ، والتَمِسُوهَا في كُلِّ وِتْرٍ». هذا التوجيه النبوي الكريم يؤكد على أهمية هذه الليالي ويحث على مضاعفة الجهد في العبادة فيها.

وقد اختص الله -تعالى- ليلة القدر بفضل عظيم، فهي الليلة التي أنزل فيها القرآن الكريم، ذلك النور والهداية الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور. قال الله -تعالى-: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}. هذا الارتباط الوثيق بين نزول القرآن الكريم في هذه الليلة وفضلها يدل على عظمة هذه المناسبة وأهميتها في تاريخ الأمة الإسلامية.

كما أن ليلة القدر هي ليلة مباركة، يُقدر الله -تعالى- فيها ما سيكون في العام القادم من الأرزاق والآجال والأقدار. قال -عز وجل-: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}. هذا التقدير الإلهي للأمور في هذه الليلة يضفي عليها أهمية خاصة، ويدعو المسلم إلى التضرع إلى الله والدعاء بأن يقدر له الخير والبركة في كل شؤونه.

أما عن فضل ليلة القدر وثواب العمل الصالح فيها، فهو عظيم وجليل، إذ قال -عز وجل-: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}. هذا الفضل الهائل يشكل دافعًا قويًا للمسلمين للحرص على إحياء هذه الليلة بالعبادات والطاعات المختلفة، والسعي بكل جد واجتهاد لنيل هذا الأجر العظيم الذي لا يضاهيه أجر.

وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القدوة الحسنة لأمته في اغتنام ليلة القدر، فكان يتحراها في العشر الأواخر من شهر رمضان، ويجتهد فيها بالعبادات والطاعات ما لا يجتهد في غيرها. وقد ورد عنه -عليه الصلاة والسلام- قوله: «مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ». هذا الوعد النبوي بالمغفرة لمن قام هذه الليلة إيمانًا بفضلها واحتسابًا للأجر من الله -تعالى- يزيد من حرص المسلمين على إحيائها بأنواع القربات.

تقع ليلة القدر في الثلث الأخير من شهر رمضان المبارك، كما ثبت في صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُجَاوِرُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ ويقولُ: تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ».

إلا أن الأقوال قد اختلفت في تحديدها بدقة، فقيل إنها في الليالي الفردية من العشر الأواخر، استنادًا إلى ما روي عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: «أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَ: تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ».

وقيل إنها في الأيام السبع الأخيرة من رمضان، لما ثبت من رواية الإمام البخاري عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-: «فمَن كانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا في السَّبْعِ الأوَاخِرِ». وهناك من قال إنها ليلة متنقلة، لا تختص بليلة فردية أو زوجية بعينها. وهذا الاختلاف في تحديدها يحمل حكمة إلهية، تحث المسلم على الاجتهاد في جميع ليالي العشر الأواخر.

يحرص المسلمون على تتبع ليلة القدر ومعرفة علاماتها التي قد تدل على وقوعها، مع الإشارة إلى أن هذه العلامات غالبًا ما تظهر بعد انقضاء الليلة. ومن أبرز العلامات الدالة عليها:

  • طلوع الشمس دون شعاع في صباح اليوم التالي لها: فقد ورد عن أبي بن كعب -رضي الله عنه-: «وآيةُ ذلك أنْ تَطلُعَ الشَّمسُ في صَبيحَتِها مِثلَ الطَّسْتِ، لا شُعاعَ لها، حتى تَرتفِعَ».
  • اعتدال الجو فيها: فلا يوصف بالحرارة الشديدة ولا بالبرودة القارسة؛ إذ روي عن عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما-: «ليلةُ القدْرِ ليلةٌ سمِحَةٌ، طَلِقَةٌ، لا حارَّةٌ ولا بارِدَةٌ، تُصبِحُ الشمسُ صبيحتَها ضَعيفةً حمْراءَ».
  • النقاء والصفاء: فقد روي في أثر غريب عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-: «أمارَةَ ليلةِ القدْرِ أنها صافيةٌ بَلِجَةٌ كأن فيها قمرًا ساطعًا ساكنةٌ ساجيةٌ لا بردَ فيها ولا حرَّ ولا يحِلُّ لكوكبٍ يُرمى به فيها حتى تُصبِحَ، وإن أمارتَها أنَّ الشمسَ صبيحتَها تخرُجُ مستويةً ليس لها شُعاعٌ مثلَ القمرِ ليلةَ البدرِ ولا يحِلُّ للشيطانِ أن يخرُجَ معَها يومَئذٍ».
  • نزول الملائكة أفواجًا: فقد قال -تعالى-: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ}، وروي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «وإن الملائكةَ تلك الليلةَ أَكْثَرُ في الأرضِ من عَدَدِ الحَصَى».

يُعلل سبب إخفاء ليلة القدر وعدم تحديدها بغاية ترغيب وتحفيز العباد على الاستمرار والمداومة على العبادة والمثابرة عليها والمبالغة فيها طوال العشر الأخيرة من رمضان، ولئلا يقتصروا على العبادات والطاعات في ليلة واحدة فقط.

ولذلك كان جديراً بالمسلم تحري الليالي العشر الأخيرة من الشهر المبارك كاملة، وقيامها، والمواظبة فيها على ذكر الله، والدعاء، والصلاة، وقراءة القرآن، وبذلك يشغل العبد نفسه ووقته كله في طاعة الله -تعالى-.

  • الدعاء: يغتنم المسلم ليلة القدر بالإكثار من الدعاء والأذكار والتسبيح وسؤال الله -تعالى- العتق من النيران والتعوذ منها؛ فالدعاء فيها مستجاب والاجتهاد فيه مرغوب. وأفضل ما يدعو به المسلم في ليلة القدر العفو والمغفرة من الله -سبحانه-، فقد روي عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «قلتُ يا رسولَ اللهِ أرأيتَ إن علِمتُ ليلةَ القدرِ ما أقولُ فيها؟ قال: قُولي اللَّهمَّ إنَّك عفُوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعْفُ عنِّي».
  • قراءة القرآن: يستحب للمسلم تلاوة آيات القرآن الكريم وترتيلها في شهر رمضان، وفي ليلة القدر يكون الأجر مضاعفًا.
  • الصلاة: تؤدى صلاة القيام ركعتين ركعتين، وقيام ليلة القدر من أسباب مغفرة الذنوب وتكفيرها عن العباد.

في الختام، فإن ليلة القدر منحة عظيمة وفرصة ثمينة، فلنجتهد في تحريها وإحيائها بأنواع الطاعات والقربات، عسى أن نكون من الفائزين بفضلها وبركتها ومغفرة الله ورضوانه في هذه الليالي المباركة.


اكتشاف المزيد من عالم المعلومات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

ما رأيك بهذه المقالة؟ كن أول من يعلق

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على موقعنا. تساعدنا هذه الملفات على تذكر إعداداتك وتقديم محتوى مخصص لك. يمكنك التحكم في ملفات تعريف الارتباط من خلال إعدادات المتصفح. لمزيد من المعلومات، يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية لدينا.
قبول
سياسة الخصوصية