انطلق في رحلة استكشافية عبر صفحات التاريخ لاستجلاء غموض “برج بابل”، الصرح الأسطوري الذي لطالما أثار فضول المؤرخين وعلماء الآثار على مر العصور. تعمق في دراسة القصة الملحمية التي تحكي بناء هذا البرج الشاهق في أرض بابل، واستكشف الأدلة الأثرية المكتشفة التي تُلقي بظلال من الواقعية على وجود هذا المعلم الحضاري الفريد.
حلل الدوافع والأسباب الكامنة وراء تشييد هذا البناء الضخم، وتأثيره المحتمل على الحضارات القديمة التي عاصرته. فمنذ فجر التاريخ، وبعد الطوفان العظيم تحديدًا، بدأت تظهر معالم معمارية شامخة تُعرف بالأبراج، مُثيرةً تساؤلات حول قدرة الإنسان القديم على بناء مثل هذه الهياكل المُعقدة باستخدام وسائل بدائية.
يُعتبر برج بابل في العراق أحد أبرز الأمثلة على هذه الأبراج التاريخية، حيث يُجسد هذا المعلم تطور فن العمارة في العصور القديمة، ويُشكل نقطة وصل بين الماضي والحاضر، إذ نرى اليوم سباقًا محمومًا بين دول العالم لبناء ناطحات سحاب وأبراج تفوق سابقتها طولًا وفخامة وغرابة، كبرج خليفة في دبي وأبراج التجارة في الولايات المتحدة، ما يُعيد إلى الأذهان قصة برج بابل وتأثيره الخالد على تاريخ العمارة.
ما هو بُرج بابل
يُعتبر برج بابل من المعالم التاريخية البارزة التي اكتسبت شهرة عالمية وجذبت السياح من مختلف أنحاء العالم، وذلك لأسباب متعددة، من أهمها ارتباطه الوثيق ببعض الأديان السماوية، كالمسيحية واليهودية، حيث ورد ذكره في التوراة، الكتاب المقدس للديانة اليهودية، ما منحه أهمية دينية وتاريخية كبيرة لدى الكثيرين.
يتناول النص التوراتي قصة نشأة البرج وأسباب بنائه والأحداث المتعلقة به عبر التاريخ. يُشير التاريخ إلى أن بناء برج بابل تم في منطقة بابل في بلاد ما بين النهرين، العراق حاليًا، بأمر من الملك نمرود، الذي يُعتبر من أحفاد النبي نوح عليه السلام، كما تُروى قصة بنائه في التوراة.
وقد أثار برج بابل جدلاً واسعًا بين المؤرخين والباحثين، فبينما يؤمن البعض بالرواية التوراتية كحقيقة تاريخية، يرى آخرون أنها مجرد قصة رمزية أو أسطورة لا أساس لها من الصحة، معتبرين البرج مجرد بناء تاريخي كغيره من الأبراج.
وصف بناء برج بابل
يُعتبر برج بابل صرحًا معماريًا فريدًا، يتميز بتصميماته الهندسية الرائعة وأشكاله الخارجية والداخلية الجذابة، ما جعله محط أنظار السياح والمهتمين بالتراث عبر التاريخ. يقع هذا البرج في مدينة بابل القديمة في بلاد ما بين النهرين (العراق حاليًا)، ويُعد من أبرز المعالم التاريخية في المنطقة.
يتميز بناء برج بابل بضخامته وامتداده، حيث بُني بطريقة احترافية على يد عمال مهرة، ليصبح برجًا كبيرًا ذو طول وعرض وارتفاع شاهق، إذ تبلغ مساحة قاعدته حوالي 92 مترًا مربعًا. والجدير بالذكر أن برج بابل لا يتكون من برج واحد فحسب، بل هو عبارة عن مجموعة من الأبراج المتراصة والمتداخلة، يصل عددها إلى ثمانية أبراج، ما يمنحه شكلًا مميزًا وهيكلًا فريدًا، بالإضافة إلى أهميته الدينية في بعض الأديان السماوية.
كما يتميز تصميم البرج باحتوائه على تفاصيل دقيقة وهامة، منها درج حلزوني طويل يلتف حول الأبراج الثمانية، ما يُسهل الوصول إلى قمتها، فضلًا عن وجود محطات مخصصة للاستراحة والجلوس والتأمل على طول هذا الدرج، ما يُضفي عليه رونقًا خاصًا ويُتيح للزائر فرصة الاستمتاع بتفاصيل هذا الصرح المعماري العظيم.
سبب بناء برج بابل
يُعتبر “برج بابل” رمزًا تاريخيًا مثيرًا للجدل، حيث تُرجع بعض الروايات التوراتية في “سفر التكوين” بناء هذا الصرح الشاهق إلى نسل نوح عليه السلام، بقيادة النمرود، عقب انتهاء الطوفان العظيم في سهل شنار. وقد تعددت الأسباب والدوافع وراء هذا المشروع الطموح؛ فمن جهة، سعى البناة إلى توحيد البشرية في مكان واحد، خشية التشتت والتبدد على الأرض، وتأسيس مملكة مترامية الأطراف يكون مركزها مدينة بابل، لتصبح بذلك عاصمة العالم القديم ومركزًا سياسيًا ودينيًا مؤثرًا.
ومن جهة أخرى، يُشير الكتاب المقدس إلى دافع آخر، وهو اعتقادهم الخاطئ بأن هذا البرج سيحميهم من غضب الله وقدره، كما هدفوا أيضًا إلى إنشاء مركز قوة ونفوذ يُمكّنهم من السيطرة والهيمنة على البلاد المجاورة وتوسيع رقعة مُلكهم. باختصار، مثّل بناء برج بابل محاولة بشرية للوصول إلى السماء، وتحدّيًا للإرادة الإلهية، ورمزًا للطموح البشري الجامح والسعي نحو السلطة والنفوذ.
تصميم برج بابل
اختلفت الآراء والأقوال بين الناس حول الشكل الذي يأخذه تصميم البرج، حيث إن هناك معلومات خاصة بتصميم هذا البرج والتي تم ذكرها في كتاب التوراة، كما أن هناك معلومات موجودة في زمننا هذا خاصة بتصميم هذا البرج بعدما تمت دراسته ودراسة الهندسة المتعلقة به، تشير إلى:
- إن المعلومات التي تم ذكرها في كتاب الدين اليهودي قالت أن البرج يتسم ببعض الأشكال الهندسية المختلفة.
- يأخذ تصميم بُرج بابل شكل الهرم المدرج، في جميع سماته في جعل القاعدة الخاصة بُرج بابل تتسم بأنها كبيرة وواسعة ومربعة الشكل، بالإضافة إلى أن قمة البرج البابلي التي تأخذ الشكل المدبب نظراً للشكل العام للبرج وهو “الشكل الهرمي”.
- فإن قمة هذا البرج ليست فقط مجرد قمة وبناء مغلق، حيث إن هذه القمة تم تصميمها على أن تكون معبداً خاصاً في ذلك البرج.
- هناك العديد من الدراسات والآراء المتعلقة بتصميم هذا البرج، ولعل من أشهرها الدراسة الروسية التي اعتمدت على الأقمار الصناعية وتوصلت إلى إثبات بأن البرج البابلي يعد من الأبراج التي تأخذ الشكل المربع.
موقع بُرج بابل
من المعروف والمتداول بين الناس وبين هذه القصص أن المكان المخصص لهذا البرج هو :
- أرض بابل التي في العراق، كما أن أغلب الأشخاص يعتقدون أن هذا المكان هو المكان الذي حدث فيه كل تلك القصص المتخلفة والمتعلقة بالبرج.
- ولكن هناك بعض الآراء الأخرى التي توصل إليها المؤرخون والذين يهتمون بأمور البرج ويدرسونها، حيث إنه من ضمن تلك الآراء هي أنه لا يمكن أن يكون البرج في هذه المنطقة.
- حيث إن المعروف أنه من بعد ما حدث الطوفان في “ما بين النهرين” أو العراق تم بناء هذا البرج الذي يسمى ببرج بابل، ولكن هذا الأمر يشك به بعض المحللون والمؤرخون.
- حيث إنهم يشكون بأن هذا المكان الذي حدث به الطوفان ليس هو المكان الذي تم بناء بُرج بابل به، كما أنهم يشكون بأن الموقع الأصلي والحقيقي لبرج بابل هو شرق بلاد سوريا.
- كما أنه بعد ما مضى عصور عديدة على هذا البرج يُقال أن له بعض البقايا التي تتواجد بالقرب من نهر يُسمى خابور.
ما حدث بعد الطوفان
بعد الطوفان العظيم الذي اجتاح الأرض، أراد الله أن يُعاد إعمارها وانتشار البشر في ربوعها، إلا أن الملك النمرود سعى إلى هدف مناقض تمامًا لهذه الإرادة الإلهية، حيث شرع في بناء “برج بابل” الضخم. لم يكن الهدف من هذا البرج مجرد ملجأ يحمي الناس ويجمعهم في مكان واحد آمن من أي خطر، بل تجاوزه إلى فكرة بناء قلعة حصينة عظيمة تحميهم حتى من غضب الله نفسه، كما اعتقد النمرود. علاوة على ذلك، كان النمرود يطمح إلى أن يُصبح هذا البرج، مع المنطقة المحيطة به، عاصمة عالمية مترامية الأطراف، تُخلّد اسمه في سجلات التاريخ كحاكم عظيم.
لكن إرادة الله شاءت غير ذلك، فبدلًا من أن يكتمل هذا الصرح الشاهق، أحدث الله اختلافًا في ألسنة العمال القائمين على البناء، فتشتت جهودهم وتوقّف العمل في البرج، وانتشروا في الأرض ليعمروها كما أراد الله في الأصل، مُحبطًا بذلك مسعى النمرود الطموح في بناء برج يرمز إلى قوته وتحدّيه للإرادة الإلهية. الكلمات المفتاحية المناسبة: الطوفان، برج بابل، النمرود، إعمار الأرض، إرادة الله، اختلاف الألسنة، التشتت، العاصمة العالمية.
القصص المتعلقة ببرج بابل
كما ذكرنا أن البرج البابلي تم بناؤه على يد النمرود وهذا الأمر تم حدوثه في عام 2400 قبل الميلاد، مما يثبت أثريته ومدى قِدم هذا البناء العظيم، ولكن هناك قصة متعلقة ببناء هذا البرج وهي:
- السبب الذي تم بناء هذا البرج من أجله، حيث إن النمرود قام بإصدار أمر بناء هذا البرج حتى يقوم بإبعاد البشر عن ربهم على حسب اعتقاده حينها.
- ولكن القصة تقول إن هذا الأمر لم يتم كما كان مُخطط له، حيث إن الله قام بجعل هذا البناء لا يكتمل بناؤه كما كانوا يريدون أن يفعلوا، وهذا حدث عن طريق جعل الأشخاص أو العمال الذين يقومون ببناء هذا البرج من بلاد مختلفة.
- وبالتالي استطاع هذا البرج أن يضم فئات مختلفة من العمال باختلاف لغاتهم وهذا ما جعل صعوبة كبيرة في التواصل والتفاهم فيما بينهما، وهذا ما جاء بوضوح في أن بُلبل ألسنتهم وجعلهم لا يفقهون بعضهم البعض الآخر، مما جعل بناء البرج في غاية الصعوبة عليهم.
- كما أن هناك قصة أخرى تقول أن البرج له في الأصل هو من أملاك السومريين، حيث إن هؤلاء السومريين هم الذين كانوا يعيشون في العراق في الأعوام التي من قبل الميلاد.
برج بابل في القرآن الكريم
لم يأتي اسم برج بابل في القرآن الكريم صراحة، ولكن هناك بعض الآيات القرآنية التي تدل عليه، ومنها:
- “قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ”.
وفي هذه الآية القرآنية إشارة إلى النمرود وكيف أن الله أوقف طغيانه حينما وقف أمام سيدنا إبراهيم عليه السلام، وانتهى طغينه بأنه هدم عليه السقف أي برج بابل.
ويوجد رواية أخرى لذكر برج بابل في القرآن الكريم: في ذكر قصة فرعون وبناءه حينما أمر وزيره هامان ببناء صرح من الطين، في قوله:
- “وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَات والأرض”.
أهم الأسئلة التي تطرح حول برج بابل
هل برج بابل من عجائب الدنيا السبع؟
يُعتبر برج بابل، الذي يُعتقد أنه بُني في مدينة بابل القديمة في بلاد ما بين النهرين (العراق حاليًا)، صرحًا تاريخيًا هامًا، وإن كان لا يُصنف عادةً ضمن عجائب الدنيا السبع القديمة المتعارف عليها، والتي تشمل أهرامات الجيزة وحدائق بابل المعلقة وتمثال زيوس في أولمبيا ومعبد أرتميس في أفسس وضريح موسولوس في هاليكارناسوس وتمثال رودس العملاق ومنارة الإسكندرية.
مع ذلك، يحظى البرج بأهمية بالغة كونه يُعدّ رمزًا لقوة ومكانة مدينة بابل في العصور القديمة، ويُشار إليه أحيانًا باعتباره أول ناطحة سحاب في التاريخ، ممّا يعكس براعة البابليين في الهندسة المعمارية. وقد أجمع المؤرخون القدماء، بمن فيهم المؤرخ الإغريقي الشهير هيرودوت، على أهمية ومكانة هذا البرج.
حيث وصف هيرودوت مدينة بابل بأنها إحدى عجائب العالم، وأشار إلى أن البرج كان يتميز بضخامته وارتفاعه الشاهق الذي يصل إلى السماء، ممّا يُظهر الانطباع الذي تركه هذا البناء الضخم في نفوس من رأوه في تلك الحقبة الزمنية. هذا الوصف التاريخي يُبرز أهمية برج بابل كمعلم حضاري بارز، وإن لم يُدرج رسميًا ضمن عجائب الدنيا السبع.
هل برج بابل موجود حاليا؟
برج بابل، ذلك الصرح الأسطوري الذي ورد ذكره في التوراة وكتب التاريخ، لم يعد له وجود مادي على أرض الواقع في الوقت الحالي. فقد طوى الزمن صفحات مدينة بابل بأكملها، المدينة التي احتضنت هذا البرج الشاهق، لتندثر تحت رمال الصحراء المترامية في أرض العراق. وهكذا، لم يتبق من برج بابل إلا الذكرى في الكتب والروايات، شاهدًا على حضارة عظيمة وقصة طموح بشري ربما تجاوزه الزمن.
من الذي هدم برج بابل؟
يُعدّ “برج بابل” رمزًا حضاريًا شامخًا ارتبط بمدينة بابل القديمة في بلاد ما بين النهرين، وقد شهد هذا الصرح المعماري الضخم فترات ازدهار وتدهور عبر التاريخ. فبعد أن تعرضت المدينة لغزوات متتالية من قِبل الفرس واليونان، بدأت ملامح الضعف تظهر على بابل وبرجها. ومع مجيء الإسكندر الأكبر، لاحت بوادر أمل في إعادة إحياء هذا المعلم، حيث شرع في ترميم أجزاء منه.
إلا أن وفاة الإسكندر المفاجئة أجهضت هذا المشروع، لتتوالى بعدها عوامل التدهور التي أدت في النهاية إلى سقوط مدينة بابل بالكامل. وهكذا، غرق “برج بابل” تدريجيًا تحت رمال الصحراء العراقية، مُختفيًا عن الأنظار. ومما زاد الطين بلة، استغل سكان المناطق المجاورة هذا الوضع، حيث عمدوا إلى تفكيك ما تبقى من البرج واستخدام طوبه وأحجاره في بناء منازلهم، مما ساهم في تسريع عملية اندثاره واختفاء معالمه بشكل شبه كامل.
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.