الشخصية السيكوباتية: تحليل نفسي في دوافع السلوك الإجرامي المعقد. لطالما أثار التساؤل عن الدوافع الكامنة وراء الجرائم الوحشية اهتمام الباحثين في علم النفس، حيث يُعزى ارتكاب هذه الجرائم غالبًا إلى اضطرابات نفسية معقدة، أبرزها اضطراب الشخصية السيكوباتية.
يهدف هذا التحليل المتعمق إلى استكشاف خبايا هذا الاضطراب، وفهم السمات المميزة للأفراد الذين يعانون منه، والكشف عن الأسباب المحتملة وراء هذا السلوك المنحرف، بالإضافة إلى تقديم إرشادات حول كيفية التعامل الأمثل مع هذه الشخصيات. يُعد علم نفس الشخصية، كأحد الفروع الهامة في علم النفس، مجالًا حيويًا لدراسة أنماط الشخصيات البشرية والفروقات الفردية بين الناس.
يركز هذا العلم على بناء صورة شاملة ومتكاملة للشخص، تشمل العمليات النفسية الداخلية والمؤثرات الخارجية المحيطة به، مع التأكيد على أن كل فرد يمثل حالة فريدة ومستقلة بذاتها. كما يتناول علم نفس الشخصية دراسة الطبيعة البشرية بشكل عام، وتحليل الجوانب السلوكية للإنسان مع مراعاة العوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر في تكوين شخصيته.
وقد ساهم علماء بارزون، مثل سيجموند فرويد وديفيد هيوم وإريك فروم وغيرهم، في إثراء هذا المجال. في هذا السياق، يُسلط هذا التحليل الضوء بشكل خاص على اضطراب الشخصية السيكوباتية، كنموذج معقد من نماذج الشخصية البشرية.
الشخصية السيكوباتية
تُعرّف “الشخصية السيكوباتية” في علم النفس (Psychopathic Personality) كحالة مرضية تتسم بسلوك عدواني تجاه المجتمع، وأنماط متكررة من التلاعب بالآخرين وانتهاك حقوقهم، حيث يعاني هؤلاء الأفراد، وفقًا للعلماء، من “اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع” (Antisocial Personality Disorder)، وهو مصطلح يُستخدم لوصف الأشخاص الذين يُظهرون عداءً تجاه المجتمع، وليس أولئك الذين يفضلون العزلة كما يُفهم خطأً.
وقد كشفت دراسة أجريت عام 2011 بواسطة العالم جيمس فريمان أن حوالي 1% من أفراد المجتمع يُظهرون بعض سمات الشخصية السيكوباتية، ويُعتبر هذا الاضطراب النفسي، الذي يُعرف أحيانًا بـ “الاعتلال الاجتماعي”، اضطرابًا تقليديًا يتميز بسلوك مُعادٍ للمجتمع بشكل مُستمر، مصحوبًا بضعف في الشعور بالندم والتعاطف، بالإضافة إلى سمات جريئة وأنانية وغير مُقيدة.
ويُعدّ صاحب الشخصية السيكوباتية من أكثر الشخصيات تعقيدًا، حيث يصعب التعرف على المصابين به لقدرتهم الفائقة على التلاعب بالآخرين والتأثير عليهم، وإظهار صورة زائفة عن شخصية عاقلة وسليمة، وغالبًا ما يستمتع هؤلاء بإلحاق الأذى بمن حولهم، خصوصًا الشريك، مع ممارسة الاستغلال بأنواعه، سواء المادي أو الجسدي.
كما يتميزون بالكذب وكثرة الوعود الكاذبة، وقد يصل بهم الأمر إلى ارتكاب الجرائم، حيث يُقدّر الأطباء أن 25% من المُجرمين يُعانون من هذا الاضطراب، وأن نسبة تتراوح بين نصف إلى واحد بالمئة من البشر يحملون استعدادًا وراثيًا أو سمات مُؤدية إلى السيكوباتية، وتتميز هذه الشخصية أيضًا بالاهتمام المُفرط بالذات والشعور بالأهمية المُطلقة، مع اختلاف درجات هذا الاضطراب تبعًا لعوامل مُتعددة كدرجة الذكاء والتعليم والبيئة المُحيطة بالفرد.
أسباب الشخصية السيكوباتية
تُعدّ الشخصية السيكوباتية موضوعًا معقدًا في علم النفس، حيث تتداخل فيه العوامل البيولوجية والبيئية لتشكيل نمط سلوكي فريد. بدلًا من الاكتفاء بوصف الأعراض الظاهرية، من الضروري التعمق في فهم الأسباب الجذرية التي تُساهم في ظهور هذه الشخصية. تُشير الأبحاث والدراسات المُتخصصة إلى وجود مجموعة من العوامل المُحتملة التي تلعب دورًا حاسمًا في تطور الشخصية السيكوباتية، والتي يمكن تصنيفها على النحو التالي:
1. العوامل الأسرية والتربية في الطفولة:
تُعتبر مرحلة الطفولة حجر الأساس في بناء شخصية الفرد، حيث تُشكل التجارب والخبرات المُبكرة جزءًا كبيرًا من تكوينه النفسي والاجتماعي. في سياق الشخصية السيكوباتية، تُشير الأبحاث الأولية إلى أن المشاكل الأسرية والأساليب التربوية الخاطئة قد تلعب دورًا محوريًا في ظهور هذه الشخصية. من بين هذه العوامل:
- الحرمان العاطفي والإهمال الوالدي: يُعتبر عدم حصول الطفل على القدر الكافي من الحب والاهتمام والرعاية العاطفية من الوالدين من العوامل المُهمة التي تُساهم في تطور اضطرابات الشخصية، بما في ذلك السيكوباتية. يُمكن أن يُؤدي الشعور بالإهمال والرفض إلى تكوين صورة سلبية عن الذات وعن الآخرين، وإلى صعوبة في بناء علاقات صحية وسليمة.
- سوء المعاملة والإيذاء النفسي والبدني: يُمكن أن يُؤدي التعرض للإيذاء النفسي، مثل التوبيخ المستمر والإهانة والتهديد، أو الإيذاء البدني، مثل الضرب والعنف الجسدي، إلى آثار سلبية عميقة على نفسية الطفل. يُمكن أن تُساهم هذه التجارب في تطور سلوكيات عدوانية وعنيفة، وفي عدم القدرة على التعاطف مع الآخرين، وهي من السمات المميزة للشخصية السيكوباتية.
- الانفصال المتكرر عن الوالدين أو أحدُهما: يُمكن أن يُؤدي الانفصال المتكرر أو المُطول عن الوالدين، سواء بسبب الطلاق أو السفر أو الإهمال، إلى شعور الطفل بعدم الاستقرار والأمان، وإلى صعوبة في تكوين روابط عاطفية قوية.
2. العوامل الوراثية والبيولوجية:
بالإضافة إلى العوامل البيئية والتربوية، تُشير الأبحاث إلى وجود عوامل وراثية وبيولوجية قد تُساهم في تطور الشخصية السيكوباتية. من بين هذه العوامل:
- الوراثة والجينات: تُشير بعض الدراسات إلى وجود استعداد وراثي لاضطرابات الشخصية، بما في ذلك السيكوباتية. يُمكن أن تُساهم بعض الجينات في زيادة احتمالية تطور هذه الشخصية، خاصةً عند وجود عوامل بيئية مُحفزة.
- التغيرات العصبية والهيكلية في الدماغ: تُشير بعض الأبحاث إلى وجود اختلافات في بنية ووظائف الدماغ لدى الأشخاص الذين يُعانون من اضطراب الشخصية السيكوباتية. يُمكن أن تُؤثر هذه الاختلافات على قدرة الفرد على معالجة المشاعر، وعلى اتخاذ القرارات، وعلى التحكم في الانفعالات.
3. العوامل البيئية الأخرى:
بالإضافة إلى العوامل الأسرية والوراثية، تُوجد عوامل بيئية أخرى قد تُساهم في تطور الشخصية السيكوباتية، مثل:
- تعرض الأم للسموم أو المُخدرات أو الكحول أثناء الحمل: يُمكن أن يُؤدي تعرض الجنين لبعض المواد الضارة أثناء فترة الحمل إلى تلف في الدماغ، وإلى زيادة احتمالية تطور اضطرابات النمو العصبي، بما في ذلك اضطرابات الشخصية.
سمات الشخصية السيكوباتية
لا بدَّ بعد المرور على لمحة عن الشخصية السيكوباتية أن يتمَّ إدراج صفات تلك الشخصية التي وضعها العلماء بعد كثير من الأبحاث والتجارب، وقد وضع عالم النفس كلسكي ستة عشر خاصة وسمة من سمات الشخصية السيكوباتية:
- غياب التوتر وأي مظهر من مظاهر العصاب.
- عدم الثقة بأي شيء.
- انعدام الإخلاص والصدق بشكل كامل.
- غياب جميع العلامات التي تدلُّ على التفكير غير العقلاني.
- الاتصاف بسلوك مضاد للمجتمع.
- انعدام الخجل والندم وما يتصل بهما.
- التميز بمستوى ذكاء جيد وجاذبية ظاهرية مخادعة.
- عدم قدرته على التعلم من تجاربه وإصدار الأحكام.
- التمركز المرضي حول الذات، والعجز عن شعور الحب.
- انخفاض في جميع الاستجابات الوجدانية الأساسية.
- ضعف الاستبصار.
- ضعف استجابة فيما يخصُّ العلاقات الشخصية العامة.
- ندرة وغياب في محاولات الانتحار.
- إظهار سلوكيات غريبة وغير قابلة للتفسير، سواءً عند شرب الكحول أو من دون شرب الكحول.
- عدم وجود خطة محددة في الحياة لاتباعها.
- فقدان الرغبة الجنسية وعدم الاهتمام بالحياة الجنسية، وعدم إعطاء الحياة الجنسية أي اهتمام.
هناك بعض الصفات الدالة على الشخصيات السيكوباتية، والتي تتمثل في عدم التزام هذه الشخصيات بالقانون والسلامة، والميل للعدوان والاحتيال والكذب، وانتهاك حقوق الآخرين، والتلاعب بهم.
هل تختلف الشخصية السيكوباتية في المرأة عن الرجل؟
تتميز الشخصية السيكوباتية بخصائص فريدة تظهر اختلافات طفيفة بين الجنسين، حيث يشترك كل من الرجال والنساء في السمات الأساسية للاضطراب، إلا أن الدراسات النفسية كشفت عن بعض الفروق الجوهرية. ففي حين يتسم كل من الرجل والمرأة السيكوباتيين بنقص التعاطف والتلاعب والسطحية العاطفية، تميل المرأة السيكوباتية إلى إظهار مستويات أعلى من القلق والاضطرابات العاطفية مقارنةً بنظرائها من الرجال.
هذا الميل نحو القلق وتقلب المزاج قد يدفع المتخصصين في بعض الأحيان إلى تشخيص المرأة السيكوباتية خطأً باضطراب الشخصية الحدية، نظرًا لتشابه الأعراض مثل عدم استقرار المشاعر، والاندفاعية في ردود الفعل، ونوبات الغضب الحادة وغير المتوقعة.
هذه العوامل مجتمعة، بالإضافة إلى عوامل أخرى لم يتم تحديدها بشكل كامل بعد، قد تساهم في تفسير انخفاض معدلات تشخيص الشخصية السيكوباتية بين النساء مقارنةً بالرجال، مما يستدعي المزيد من الأبحاث والدراسات المتخصصة لفهم أعمق للاختلافات بين الجنسين في هذا الاضطراب النفسي المعقد.
كيف ترى الشخصية السيكوباتية العالم؟
الشخصية السيكوباتية تُعرف بانعدام التعاطف مع الآخرين وتجاهل مشاعرهم وسعادتهم بشكل كامل، حيث يواجه هؤلاء الأفراد صعوبة حقيقية في فهم ومعالجة المشاعر الإنسانية، ما يفسر أنانيتهم الشديدة وميلهم لاستغلال الآخرين لتحقيق مصالحهم الذاتية دون أدنى شعور بالذنب أو الندم.
هذا النقص في الإحساس بمشاعر الغير يُعدّ من أبرز سمات الشخصية السيكوباتية، ويُفسر أيضًا ارتفاع معدل ارتكابهم للجرائم مقارنةً بالأشخاص العاديين. ومع ذلك، من المهم فهم أن الشخص السيكوباتي لا يعاني من صعوبة في فهم ما يدور في ذهن ضحاياه أو نواياهم، بل على العكس تمامًا، غالبًا ما يكونون قادرين على فهم أفكار ومشاعر الآخرين بوضوح، لكنهم ببساطة يتجاهلونها ولا يعيرونها أي اهتمام أو اعتبار، فهم يدركون تمامًا تأثير أفعالهم على الضحايا لكنهم لا يشعرون بأي تعاطف أو رغبة في تجنب إلحاق الأذى.
هذا التجاهل المتعمد لحقوق ومشاعر الآخرين يُعتبر سمة أساسية في الشخصية السيكوباتية. وقد كشفت الأبحاث والدراسات العلمية المُعمّقة التي أُجريت على مدى سنوات عديدة، أن الأشخاص السيكوباتيين يُظهرون تذبذبًا ملحوظًا في مستوى إدراكهم وقدراتهم المعرفية؛ فتارةً يُظهرون مستوى إدراك مماثلًا للأشخاص العاديين وقدرة على التفكير المنطقي والعقلاني، وتارةً أخرى يُعانون من تراجع في هذه القدرات ويفتقرون إلى القدرة على اتخاذ قرارات منطقية أو فهم المواقف بشكل صحيح.
هذا التخبط بين الإدراك العادي والضعف الإدراكي يُعتبر من الخصائص المعقدة التي تُميز الشخصية السيكوباتية وتجعل فهمها وتشخيصها تحديًا كبيرًا في مجال الطب النفسي.
ما هي نقاط ضعف الشخصية السيكوباتية؟
يمكن أن يتعرض الكثير من الأشخاص للوقوع في علاقة مع شخصية سيكوباتية، ويتساءل لماذا قام هذا الشخص باختياري تحديدًا دونًا عن باقي الأشخاص، ففي الواقع لدى الشخصية السيكوباتية بعض نقاط الضعف التي تجذبها لضحايا معينة دون غيرهم، وهي كالآتي:
الضعف:
الشخصية السيكوباتية، التي تتسم بالتلاعب والاستغلال، غالبًا ما تستهدف نقاط ضعف معينة في ضحاياها. من أبرز هذه النقاط، الشخصية الاعتمادية التي تبحث باستمرار عن الموافقة والاعتراف من الآخرين. هذه الحاجة الماسة للاستحسان الخارجي تجعل صاحبها عرضة بشكل خاص للتلاعب السيكوباتي.
فالسيكوباتي، بفضل قدرته الفائقة على قراءة الآخرين، يكتشف بسرعة هذه الشخصية الضعيفة والاعتمادية، ويرى فيها فرصة ذهبية لإحكام سيطرته. هذا النوع من الشخصيات يمثل هدفًا مثاليًا للسيكوباتي المتلاعب، حيث يسهل عليه استغلال حاجتها للموافقة لتشكيل سلوكها وتوجيهه لخدمة مصالحه.
قلة الثقة بالنفس:
يُعدّ افتقار الشخص للثقة بنفسه ونقاط ضعفه مدخلاً سهلاً للشخصية السيكوباتية الخبيثة، حيث يستغل السيكوباتي هذا الضعف بشكل مُمنهج، فالأفراد الذين يعانون من انخفاض تقدير الذات وصعوبة وضع الحدود مع الآخرين يصبحون أهدافًا جذابة لهذه الشخصيات المتلاعبة، إذ يفتقر هؤلاء الأفراد إلى القدرة على مواجهة الإساءة أو ردع التلاعب، ما يجعلهم عرضة للاستغلال العاطفي والنفسي من قبل السيكوباتي.
وبمجرد أن يلاحظ السيكوباتي هذه الخصائص – كضعف الثقة بالنفس وعدم القدرة على وضع حدود فاصلة في التعامل – في شخصية ما، يُحدّدها كهدف رئيسي ويبدأ في نسج خيوط التلاعب والسيطرة، مُستغلاً حاجتها للقبول أو خوفها من الرفض، مما يُمكنه من التحكم في سلوكها وقراراتها بسهولة، وبالتالي يصبح الشخص الذي يعاني من قلة الثقة بالنفس فريسة سهلة في قبضة الشخصية السيكوباتية المُستغِلة.
اللطف والتسامح المفرط:
يستغلّ السيكوباتيون بشكل خبيث نقاط ضعف ضحاياهم، وعلى رأسها سمات اللطف والتسامح المفرطين؛ فبراءة الضحية، وإفراطها في التسامح مع الآخرين، وإيمانها الساذج بأنّ دوافع الناس خيّرة ونبيلة، تُعدّ بمثابة دعوة مفتوحة للشخصية السيكوباتية لاستغلال هذه الصفات أبشع استغلال.
إذ يرى السيكوباتي في هذا اللطف المفرط فرصة ذهبية للتلاعب والسيطرة، فيستغلّ طيبة الضحية وثقتها العمياء، وقناعتها الراسخة بحسن نيّة الجميع، ليُحكم قبضته عليها ويُخضعها لأجندته الخبيثة، مُستفيدًا من تسامحها الذي لا يعرف حدودًا في تبرير أفعاله المُسيئة والتغطية على نواياه الخفيّة.
فالشخصية السيكوباتية تُحسن استغلال هذه السمات الإيجابية في الضحية وتحويلها إلى أدوات تُمكنها من تحقيق مآربها الأنانيّة، ممّا يُسلّط الضوء على أهمية الوعي بهذه الحقيقة لحماية الأفراد من الوقوع في براثن هذه الشخصيات المُتلاعبة.
عقلية المصلح:
يتميز السيكوباتي بقدرة فائقة على كشف واكتشاف العقلية التي تتبنى ما يُعرف بـ “نظرية الإصلاح”، وهي تلك النظرة التي تراه كشخص جيد في جوهره، وتؤمن بإمكانية تغييره وإنقاذه من حالته أو مرضه النفسي. هذا الاكتشاف يُعد نقطة انطلاق للسيكوباتي نحو ممارسة التلاعب المُحكم بهذه الشخصية “المُصلِحة”، حيث يستغل إيمانها الراسخ بإمكانية تغييره. فالسيكوباتي يعي تمامًا أنه في كل مرة يُلحق فيها الأذى بهذه الشخصية، سيُواجه بطلب الصفح والغفران، مصحوبًا بوعود زائفة بالتغيير والإصلاح.
وبسبب طبيعة العقلية المُصلِحة التي تتسم بالتسامح والأمل، فإنها تُصدق هذه الوعود الكاذبة وتعود إليه مرة أخرى، ما يُعزز لدى السيكوباتي سلوكياته التلاعبية ويُبقيه في دائرة الاستغلال العاطفي والنفسي، مُستفيدًا من رغبة الآخرين في رؤيته “أفضل” أو “مُصلَحًا”. هذه الديناميكية تُبرز خطورة التعامل مع الشخصية السيكوباتية من منطلق الإصلاح، حيث يُمكن أن يُفضي ذلك إلى استمرار الإساءة بدلًا من إنهائها.
الأسرار الخاصة:
الشخصية السيكوباتية تُعرف بقدرتها الفائقة على اختراق خصوصية الآخرين واستغلال أسرارهم كنقاط ضعف، فهي تُظهر براعة ملحوظة في كشف الخبايا واكتشاف ما يُراد إخفاؤه، حيث تُركز هذه الشخصية بشكل خاص على الأفراد الذين يحرصون على الحفاظ على جوانب من حياتهم سرية وخاصة، وبمجرد أن تلمح لديهم رغبة في الخصوصية، تُصبح هذه الرغبة تحديدًا دافعًا قويًا لها للتنقيب والبحث عن تلك الأسرار، ليس بدافع الفضول البريء، بل بهدف استغلالها لاحقًا كوسيلة للضغط والسيطرة، وتسخيرها لتحقيق أهدافها الشخصية ومتطلباتها في الهيمنة الكاملة على الضحية، مما يجعل الحفاظ على الأسرار والخصوصية تحديًا كبيرًا عند التعامل مع هذه الشخصية المتلاعبة.
الإيمان بالحب غير المشروط:
يستغل الشخص ذو الشخصية السيكوباتية مفهوم الحب غير المشروط، وهو مفهوم رومانسي يتم الترويج له غالبًا في الأفلام ووسائل الإعلام، للتلاعب بضحاياه واستغلالهم عاطفيًا. يعتمد هؤلاء الأشخاص على إيمان الضحية بفكرة الحب المطلق الذي لا يعرف القيود أو الشروط، فيُظهرون أنفسهم كأبطال رومانسيين يحتاجون إلى المغفرة أو فرصة ثانية باسم الحب.
يستخدم السيكوباتي هذه الحجة لتبرير أفعاله المؤذية والمتكررة، سواء كانت إساءة عاطفية أو خيانة أو حتى عنفًا، مدعيًا أن الحب الحقيقي يتجاوز كل هذه الأخطاء ويتطلب التسامح المطلق والسعي وراء “السعادة الأبدية” المزعومة التي يعد بها ضحيته.
من خلال التلاعب بهذه المشاعر النبيلة، يتمكن الشخص السيكوباتي من الحفاظ على سيطرته على الضحية واستمرار استغلاله لها تحت غطاء الحب غير المشروط. هذا الاستغلال العاطفي يُعدّ من أبرز سمات الشخصية السيكوباتية في العلاقات، حيث يُحوّل مفهومًا إيجابيًا كالحب غير المشروط إلى أداة للتلاعب والإيذاء النفسي.
السطحية:
الشخصية السيكوباتية تستغل بشكل خاص الأفراد ذوي الشخصية السطحية، الذين ينجذبون بسهولة إلى المظاهر الخادعة والبريق الزائف الذي يُظهره السيكوباتي. هؤلاء الأفراد، الذين يفتقرون إلى القدرة على التقييم العقلاني الدقيق للأشخاص، يصبحون عرضة للاستغلال والتضليل من خلال ما يُظهره السيكوباتي من سحر وجاذبية سطحية.
يعتمد السيكوباتي في هذا التضليل على إبراز صفات ظاهرية تجذب الضحية ذات الشخصية السطحية، مثل القدرة البارعة على الحديث وإبداء الاهتمام الشديد بالآخرين والتعبير عما يرغبون في سماعه تحديدًا. يعرف السيكوباتي جيدًا أن هذه الأساليب الكلامية والاجتماعية المؤقتة ستجذب ضحيته السطحية بلا أدنى شك، مما يُمكنه من استغلالها بسهولة.
مشاكل الماضي التي لم تحل:
الشخصية السيكوباتية تستغل نقاط ضعف ضحاياها الناتجة عن مشاكل الماضي العالقة، سواء كانت هذه المشاكل تعود إلى مرحلة الطفولة أو المراهقة، حيث يُعد وجود هذه المشاكل التي لم تُحل بعد من أبرز الثغرات التي يستغلها السيكوباتي للتلاعب بضحيته والسيطرة عليها بهدف تحقيق غاياته وأهدافه الشخصية.
فبمجرد أن يكتشف السيكوباتي وجود هذه المشاكل القديمة، يبدأ على الفور باستغلالها كأداة للضغط النفسي والتلاعب العاطفي، حيث يركز على إلقاء اللوم المستمر على الضحية بسبب هذه المشاكل، مستفيدًا من حالة الضعف والارتباك والشك الذاتي التي تعاني منها الضحية نتيجة لتلك التجارب الماضية المؤلمة، مما يُسهل عليه عملية السيطرة والتلاعب.
هل الشخصية السيكوباتية مرض يحتاج العلاج؟
على الرغم من عدم وجود علاج دوائي مباشر أو “علاج شافٍ” بالمعنى التقليدي، كحبوب أو لقاح، إلا أن الأبحاث مستمرة لإيجاد طرق فعالة للتعامل مع هذا الاضطراب. يركز الباحثون على أساليب “إعادة التأهيل” التي أظهرت نتائج واعدة، حيث بينت الدراسات أن الأفراد السيكوباتيين يُظهرون استجابة مماثلة للأحداث السارة وغير السارة على حد سواء، مما يشير إلى إمكانية التأثير على سلوكهم من خلال تدخلات نفسية محددة.
ومع ذلك، يُعد استخدام العلاج النفسي لمساعدة السيكوباتيين تحديًا كبيرًا بسبب النقص الملحوظ في الوعي العاطفي لديهم، وهو عنصر أساسي لنجاح العلاج النفسي التقليدي. هذا النقص في الوعي العاطفي يجعل من الصعب على السيكوباتي فهم مشاعر الآخرين والتفاعل معها، وبالتالي يقلل من فعالية العلاجات التي تعتمد على التعاطف والتواصل العاطفي.
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.