تُعتبر مجموعة بريكس تكتلًا اقتصاديًا دوليًا بارزًا يضمّ اقتصادات نامية رئيسية تتمتّع بإمكانيات نمو هائلة وتأثير متزايد على الساحة الدولية، حيث يهدف هذا التكتل إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي بين الدول الأعضاء، وتشكيل نظام اقتصادي عالمي أكثر توازنًا.
ويُشير مصطلح “بريكس” (BRICS) إلى الأحرف الأولى من أسماء الدول الأعضاء وهي: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، وهي دول تشهد نموًا اقتصاديًا سريعًا وتمرّ بمراحل تنمية اقتصادية متقاربة، وتسعى للوصول إلى مصاف الدول المتقدمة.
وقد بدأت فكرة إنشاء هذا التكتل بلقاءات غير رسمية بين وزراء خارجية الدول الأربع المؤسسة (البرازيل وروسيا والهند والصين)، ثم عُقد أول اجتماع على مستوى القمة لقادة هذه الدول في يوليو 2008 على هامش قمة الثماني الكبرى في جزيرة هوكايدو اليابانية، حيث شارك فيه كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني هو جين تاو، ورئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، واتفق القادة آنذاك على تعزيز التنسيق في القضايا الاقتصادية العالمية الملحة، بما في ذلك التعاون المالي ومعالجة أزمة الغذاء العالمية.
ثم عُقدت أول قمة رسمية لرؤساء دول بريك في مدينة يكاترينبورغ الروسية في يونيو 2009، حيث تم الإعلان عن تأسيس نظام عالمي ثنائي القطبية يدعو إلى تمثيل أكبر للاقتصادات الناشئة في المحافل الدولية، ويهدف إلى الحد من الهيمنة غير المتكافئة للقوى الغربية على النظام العالمي.
وفي عام 2010، انضمت جنوب إفريقيا رسميًا إلى المجموعة، ليصبح اسمها “بريكس” بدلًا من “بريك”. وتجدر الإشارة إلى أن دول بريكس تشغل ربع مساحة اليابسة ويقطنها حوالي 40% من سكان العالم، وتشير التوقعات، وفقًا لتقديرات مجموعة غولدمان ساكس التي استخدمت مصطلح “بريك” لأول مرة عام 2001، إلى أن اقتصادات هذه الدول ستنافس اقتصادات أغنى دول العالم بحلول عام 2050، كما يُتوقع أن تُشكّل هذه الدول تحالفًا أو ناديًا سياسيًا قويًا في المستقبل.
تاريخ مجموعة بريكس BRICS
تعود فكرة تأسيس مجموعة بريكس إلى عام 2001 عندما صاغ جيم أونيل، كبير الاقتصاديين في بنك جولدمان ساكس آنذاك، مصطلح “بريك” (BRIC) لوصف الاقتصادات الناشئة سريعة النمو في كل من البرازيل وروسيا والهند والصين، مُسلطًا الضوء على إمكاناتها الاقتصادية الهائلة. شهدت هذه الدول، خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2008، نموًا اقتصاديًا ملحوظًا، حيث ارتفعت حصتها المُجمعة في الناتج العالمي من 16% إلى 22%، مُظهرةً مرونة وقدرة على التكيف حتى خلال فترة الركود الاقتصادي العالمي اللاحقة.
شكّل هذا النمو المتسارع حافزًا لتعزيز التعاون بين هذه الدول، ففي سبتمبر 2006، اجتمع وزراء خارجية الدول الأربع (البرازيل وروسيا والهند والصين) في نيويورك، وهو اللقاء الذي يُعدّ نقطة انطلاق لسلسلة من الاجتماعات رفيعة المستوى التي هدفت إلى بلورة شكل هذا التعاون.
تُوّجت هذه الجهود بعقد اجتماع دبلوماسي واسع النطاق في مدينة إيكاترينبرج الروسية في 16 مايو 2008، ما وضع حجر الأساس لتأسيس تكتل اقتصادي وسياسي فاعل على الساحة الدولية. يُلاحظ أن هذا التكتل تطور لاحقًا بانضمام جنوب أفريقيا ليصبح اسمه “بريكس” (BRICS).
نظام الدفع لدول بريكس BRICS
في سياق سعي مجموعة بريكس (BRICS) لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستقلال المالي، برزت فكرة إنشاء نظام دفع بديل لنظام سويفت (SWIFT) العالمي. بدأت هذه المبادرة في الظهور خلال قمة بريكس عام 2015 في روسيا، حيث انطلقت مشاورات بين وزراء دول المجموعة لوضع أسس نظام دفع خاص ببريكس.
وقد أكد نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، في تصريحات صحفية أن وزراء المالية والمسؤولين التنفيذيين في البنوك المركزية لدول بريكس يخوضون مفاوضات جادة لوضع آليات دفع جديدة والانتقال إلى التسويات المالية بالعملات الوطنية، بهدف إنشاء نظام دفع متعدد الأطراف والجنسيات يمنح المجموعة قدرًا أكبر من الاستقلالية ويضمن لها أمنًا ماليًا.
بالتوازي مع هذه الجهود، بدأ البنك المركزي الروسي (CBR) مشاورات مكثفة مع دول بريكس لدراسة إمكانية إنشاء نظام دفع بديل لسويفت، مع التركيز على توفير “نسخة احتياطية” أو نظام رديف في حال حدوث أي تعطيل أو خلل في نظام سويفت. كما صرحت نائبة محافظ البنك المركزي الروسي، أولغا سكوروبوجاتوفا، بأن الهدف الرئيسي هو دراسة إمكانية وضع نظام دفع خاص بدول بريكس يُستخدم كنسخة احتياطية لنظام سويفت.
من جانب آخر، بدأت الصين في تطوير نظام دفع خاص بها يُعرف باسم نظام المدفوعات عبر الحدود بين البنوك (CIPS)، والذي يُعد أيضًا بديلًا محتملًا لنظام سويفت، حيث يهدف هذا النظام إلى توفير شبكة آمنة وموحدة وموثوقة لتبادل المعلومات المتعلقة بالمعاملات المالية على مستوى العالم، ما يعكس التوجه العام لدى دول بريكس نحو تنويع أنظمة الدفع وتقليل الاعتماد على الأنظمة المالية التقليدية.
انضمام تركيا
أبدت دول عديدة رغبتها في الانضمام إلى مجموعة بريكس، هذا التكتل الاقتصادي والسياسي المتنامي، ومن بين هذه الدول نذكر الأرجنتين وإندونيسيا والمكسيك وتركيا وإيران، بالإضافة إلى غيرها من الدول الطامحة للانضمام. وقد تجسدت هذه الرغبة التركية تحديدًا في مشاركة الرئيس رجب طيب أردوغان في القمة العاشرة التي عقدت في جنوب أفريقيا، ما دفع بعض المحللين إلى الاعتقاد بأن تركيا تسعى جاهدة للانضمام إلى هذه المجموعة.
وفي حال تحقق هذا الانضمام مستقبلًا، سيطرأ تغيير على اسم المجموعة ليصبح “بريكست” (BRICST)، وذلك بإضافة الحرف “T” الذي يرمز إلى تركيا. ومن الجدير بالذكر أن انضمام أنقرة المحتمل إلى بريكس قد يؤثر على علاقاتها بتحالف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث قد يدفعها هذا الانضمام نحو تعزيز علاقاتها مع القوتين الأوراسيتين، روسيا والصين، اللتين تُعتبران من الأعضاء المؤسسين والفاعلين في بريكس.
إضافة إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أن تركيا عضو أيضًا في منظمة بديلة لمجموعة بريكس ضمن إطار مجموعة العشرين، وهي مجموعة “ميتكا” (MITKA) التي تأسست في عام 2013، وتضم إلى جانب تركيا كلًا من المكسيك وإندونيسيا وكوريا الجنوبية وأستراليا. تُعرف “ميتكا” بمجموعة الدول المتوسطة، وتسعى إلى تحقيق توازن في النفوذ بين كل من مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى (G7) ومجموعة بريكس داخل مجموعة العشرين، وذلك بهدف خدمة مصالح أعضائها.
خطة بريكس بلس BRICS plus
خطة “بريكس بلس” (BRICS plus) هي مبادرة طُرحت لأول مرة في قمة شيامين عام 2017، بهدف توسيع نطاق مجموعة “بريكس” التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، من خلال إضافة أعضاء جدد بطرق مختلفة، على غرار انضمام جنوب أفريقيا في عام 2011. تتضمن هذه الخطة دعوة دول كضيوف دائمين أو مشاركين في الحوارات، ما يتيح لها فرصة التعاون والتفاعل مع المجموعة.
وقد أبدت العديد من الدول رغبتها في الانضمام إلى “بريكس”، حيث أظهرت دول مثل أفغانستان والأرجنتين وإندونيسيا والمكسيك وتركيا اهتمامًا قويًا بالعضوية الكاملة، بينما عبرت دول أخرى مثل مصر وإيران ونيجيريا والسودان وسوريا، وانضمت إليهم مؤخرًا بنغلاديش واليونان، عن اهتمامها بالانضمام إلى المجموعة. وعادة ما تتم دعوة بعض الدول للمشاركة في القمة السنوية إلى جانب قادة الدول الخمس المؤسسة لإجراء حوارات على هامش القمة، ما يعزز التواصل والتفاعل بين “بريكس” ودول أخرى.
وقد شهدت قمم “بريكس” السابقة دعوات مماثلة، ففي عام 2010، تمت دعوة فلسطين وجنوب أفريقيا (قبل انضمامها الرسمي) لحضور القمة كمراقبين. وفي عام 2014 في البرازيل، عُقدت قمة ثنائية بين “بريكس” واتحاد دول أمريكا الجنوبية (UNASUR) الذي يضم الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي وكولومبيا والإكوادور وغيانا وباراغواي وبيرو وسورينام وأوروغواي وفنزويلا.
وفي عام 2015 في قمة أوفا في روسيا، عُقدت قمة ثنائية بين “بريكس” ومنظمة شنغهاي للتعاون، التي تُعد روسيا والصين من أعضائها وتسعى إلى تعزيز نظام عالمي متعدد الأقطاب في المجالات الأمنية والعسكرية. وفي قمة غوا في الهند عام 2016، تمت دعوة مجموعة BIMSTEC التي تضم دول خليج البنغال، والتي تعد الهند عضوًا بها إلى جانب بنغلاديش وبوتان وميانمار ونيبال وسريلانكا وتايلاند.
وفي قمة شيامين عام 2017، شاركت دول مثل مصر والمكسيك وطاجيكستان وتايلاند وغينيا ومنظمة EMDCD. وفي عام 2018، شاركت الأرجنتين وتركيا في قمة جوهانسبيرغ. تُظهر هذه المشاركات المتنوعة سعي “بريكس” إلى توسيع دائرة تأثيرها وتعزيز التعاون مع مختلف دول العالم.
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.