ما هي معجزات نبي الله عيسى عليه السلام

عيسى عليه السلام، هو عيسى بن مريم ابنة عمران، تلك المرأة القانتة العابدة التي اصطفاها الله وجعلها سيّدة نساء العالمين، وحملت في رحمها بشرى عظيمة، حيث بشّرتها الملائكة بكلمة من الله، كما جاء في قوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}، فكانت ولادة عيسى عليه السلام معجزة إلهية، إذ خلقه الله من غير أب.

وقد فصّل القرآن الكريم، وتحديدًا في سورة مريم، قصة ولادته ومعاناة أمّه البتول، مريم عليها السلام، ويُعدّ عيسى عليه السلام آخر أنبياء بني إسرائيل، وقد أرسله الله سبحانه وتعالى بالإنجيل هدايةً ورحمةً لبني إسرائيل، وذلك بعد أن تفشّى فيهم الطغيان والفساد والظلم، ويهدف هذا المقال إلى إلقاء الضوء بشكل مُفصّل على معجزات عيسى عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مُبرزًا مكانته كنبيّ من أولي العزم من الرسل.

ولادة المسيح عيسى عليه السلام

نشأت مريم عليها السلام في كنف العبادة الخالصة لله تعالى، حيث نذرتها أمها منذ صغرها لتكون خادمة للعبادة، فتقبلها الله قبولاً حسناً ورعاها رعاية كريمة، ونشأت في كفالة النبي زكريا عليه السلام، فتربت تربية صالحة قويمة. وبينما كانت مريم عليها السلام معتكفة ومنقطعة للعبادة، أرسل الله إليها الملك جبريل عليه السلام في هيئة بشرية ليبشرها بمعجزة إلهية عظيمة: حملها بطفل مبارك، هو المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، الذي سيكون نبياً ورسولاً ذا مكانة رفيعة في الدنيا والآخرة، لما له من أتباع ومنزلة عالية في الجنة.

فاستعجبت مريم من هذا البُشرى وتساءلت بدهشة واستنكار: كيف يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ فأجابها جبريل بأن هذا قضاء الله وقدره، الذي لا يعجزه شيء في خلقه، فهو خالق كل شيء. وهكذا تحققت إرادة الله وخُلق المسيح عيسى عليه السلام من غير أب، كخلق آدم عليه السلام من غير أب وأم، فكانت ولادته آية للناس.

وعندما سألوها عن سر هذا المولود أشارت إليه وهو لا يزال طفلاً رضيعاً في المهد، فازداد تعجبهم وتساءلوا كيف لهم أن يخاطبوا طفلاً في المهد؟ فأنطق الله عيسى عليه السلام وهو في مهده بمعجزة أخرى، حيث قال: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)، مُظهراً بذلك نبوته ورسالته منذ صغره، ومؤكداً على عبوديته لله وبره بوالدته مريم عليها السلام.

نبوة المسيح عيسى عليه السلام

نبوة المسيح عيسى عليه السلام هي من أبرز النبوات في التاريخ الديني، حيث أرسل الله تعالى عيسى بن مريم عليه السلام إلى بني إسرائيل كرسول ونبي، داعيًا إياهم إلى عبادة الله الواحد الأحد، وتوحيده الخالص، كما جاء ليحلّ لهم بعض ما كان قد حرّم عليهم في الشرائع السابقة، مصدّقًا لما جاء به النبي موسى عليه السلام من قبله في التوراة، ومبشّرًا في الوقت نفسه بالنبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي سيُبعث من بعده ليختم سلسلة النبوة والرسالة، ويُكمّل الرسالات السماوية.

وقد أكد المسيح عيسى عليه السلام في دعوته على حقيقة كونه عبدًا لله ورسولًا، مُنزهًا نفسه عن أي ادعاء للألوهية أو البنوة لله سبحانه وتعالى، مُرسّخًا بذلك مبدأ التوحيد الخالص الذي دعت إليه جميع الأنبياء والرسل.

معجزات عيسى عليه السلام

يُعتبر الإيمان بنبي الله عيسى عليه السلام، وتصديق نبوته ورسالته وما أيده الله به من معجزات باهرة، ركنًا أساسيًا من أركان الإيمان في الإسلام، وهو واجب على كل مسلم ومسلمة.

هذا الإيمان الراسخ بعيسى عليه السلام، تصديقًا لما جاء به من الحق والهدى، يُعدّ سببًا من أسباب دخول الجنة، دار النعيم الخالد. فقد ورد في الحديث الصحيح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَن قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسولُهُ، وأنَّ عِيسَى عبدُ اللهِ، وابنُ أمَتِهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ منه، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وأنَّ النَّارَ حَقٌّ، أدْخَلَهُ اللَّهُ مِن أيِّ أبْوابِ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةِ شاءَ”، وفيما يأتي معجزات عيسى عليه السّلام كما وردت في ضوء القرآن والسّنّة:

ولادة عيسى عليه السّلام:

تُعتبر ولادة عيسى عليه السلام من أعظم المعجزات الإلهية، حيث وُلد من أمٍّ عذراء دون أب، وهي مريم ابنة عمران، وقد تحملت مريم عليها السلام آلام الوضع بمفردها في مكانٍ ناءٍ، ممّا يُعدّ اختبارًا عظيمًا لقوة إيمانها وصبرها، ويُجسّد في الوقت ذاته إحدى العلامات البارزة لنبوة عيسى عليه السلام ورسالة الله التي أُرسل بها.

حيث إنّ ولادته المعجزة تُشكّل آيةً بيّنة ودليلًا قاطعًا على قدرة الله سبحانه وتعالى وعظيم سلطانه، وتؤكد على اصطفاءه لعيسى عليه السلام كنبيّ ورسول. هذه الولادة الفريدة تُعدّ من الكلمات المفتاحية الأساسية عند الحديث عن سيرة عيسى عليه السلام، وتُذكر دائمًا كمعجزة إلهية خالدة.

كلامه في المهد:

عندما عادت السيدة مريم عليها السلام إلى قومها حاملةً وليدها عيسى عليه السلام، امتثالًا لأمر الله تعالى بالصيام عن الكلام مع البشر، واجهت اتهامات شديدة واستنكارًا بالغًا من قومها الذين استغربوا وضعها، فجاء وصف هذا الموقف في القرآن الكريم بسورة مريم، حيث يقول تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}.

ففي هذا المقطع القرآني إشارة واضحة إلى دهشة القوم واستغرابهم من مريم عليها السلام، ونسبتهم إليها أمرًا عظيمًا ومنكرًا، مستنكرين عليها هذا الأمر العظيم، ومشيرين إلى طهارة نسبها، إلا أن معجزة عظيمة حدثت، حيث أشارت مريم عليها السلام إلى وليدها عيسى عليه السلام، فكانت إجابته معجزة إلهية وبرهانًا ساطعًا على براءتها، إذ نطق عيسى عليه السلام وهو في المهد صبيًا، قائلًا: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا}.

فكان كلام عيسى عليه السلام في المهد آية بينة ومعجزة عظيمة، شهدت ببراءة أمه مريم عليها السلام، وأثبتت نبوته ورسالته منذ صغره، وتضمنت هذه الكلمات المباركة إعلانه لعبوديته لله، وإنعام الله عليه بالكتاب والنبوة، وجعله مباركًا أينما كان، ووصيته بالصلاة والزكاة، وبره بوالدته، ونفي صفة الجبار الشقي عنه، والسلام عليه في مختلف مراحل حياته.

إحياء الموتى وعلاج الأكمه والأبرص:

يُعدّ عيسى عليه السلام، نبي الله ورسوله إلى بني إسرائيل، من الأنبياء الذين أيّدهم الله بمعجزات باهرة وآيات بينات دالة على صدق نبوته ورسالته. فبإذن الله ومشيئته، كان عيسى عليه السلام يُجري معجزات عظيمة تشهد على قدرة الله وعظيم فضله، من بينها خلقه من الطين كهيئة الطير ثم النفخ فيه فيكون طائراً بإذن الله، وهي معجزة عظيمة تُظهر قدرة الله على الخلق والإيجاد من العدم.

كما شملت معجزاته أيضاً شفاء المرضى وإبراء الأسقام المُستعصية، فكان يشفي الأكمه، وهو الذي وُلد أعمى، ويُبرئ الأبرص، وهو المصاب بمرض البرص الجلدي، وكل ذلك بإذن الله وقدرته. ولم تقتصر معجزات عيسى عليه السلام على ذلك، بل تعدّتها إلى إحياء الموتى، وهي من أعظم الآيات التي أيّد الله بها أنبياءه ورسله، حيث كان يُحيي الموتى بإذن الله، مُظهِراً بذلك قدرة الله على البعث والإحياء بعد الموت.

وقد ورد ذكر هذه المعجزات في القرآن الكريم في سورة آل عمران، حيث قال تعالى: {وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.

إنزال المائدة:

في سياق الحديث عن معجزات النبي عيسى ابن مريم عليه السلام، يبرز موضوع إنزال المائدة كآية إلهية جليلة ورد ذكرها في القرآن الكريم، وتحديدًا في سورة المائدة، حيث تضرع عيسى عليه السلام إلى الله سبحانه وتعالى بدعاء مؤثر، جاء فيه: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}، فاستجاب الله عز وجل لدعائه، مؤكدًا أنه سينزل المائدة كبرهان قاطع على قدرته، ولكنه في الوقت نفسه أنذر من يكفر بعد هذه الآية بعذاب شديد لم يعذبه أحدًا من العالمين، مما يوضح أهمية هذه المعجزة وخطورة إنكارها.


اكتشاف المزيد من عالم المعلومات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

ما رأيك بهذه المقالة؟ كن أول من يعلق

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على موقعنا. تساعدنا هذه الملفات على تذكر إعداداتك وتقديم محتوى مخصص لك. يمكنك التحكم في ملفات تعريف الارتباط من خلال إعدادات المتصفح. لمزيد من المعلومات، يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية لدينا.
قبول
سياسة الخصوصية