مرض التوحد: أعراضه أسبابه وعلاجه

يُعدّ اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder أو ASD)، الذي يُعرف أيضاً بالتوحد أو الذاتوية، اضطراباً في النمو العصبي يؤثر بشكل كبير على قدرة الفرد على التفاعل الاجتماعي والتواصل اللفظي وغير اللفظي، بالإضافة إلى ظهور أنماط سلوكية مقيدة ومتكررة. ويُستخدم مصطلح “الطيف” لوصف هذا الاضطراب نظراً للتنوع الكبير في أعراضه وشدتها، حيث تختلف مظاهر التوحد من شخص لآخر.

تظهر أعراض اضطراب طيف التوحد عادةً في مرحلة الطفولة المبكرة، تحديداً خلال العامين الأولين من عمر الطفل، إلا أن التشخيص قد يتأخر لسنوات لاحقة، حيث يُمكن تشخيص الإصابة بالتوحد في أي مرحلة عمرية. وعلى الرغم من أن التوحد يُعتبر اضطراباً مزمناً، إلا أن التدخلات العلاجية المناسبة، مثل العلاج السلوكي والعلاج النفسي، يُمكن أن تُساهم في تحسين مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي لدى الأشخاص المصابين، وبالتالي تحسين جودة حياتهم.

يُصيب اضطراب طيف التوحد الأفراد من جميع الخلفيات العرقية والاقتصادية والاجتماعية على حد سواء، ولكنه أكثر شيوعاً بين الذكور مقارنةً بالإناث. فقد أشارت دراسة نشرت في مجلة الأكاديمية الأمريكية للطب النفسي للأطفال والمراهقين عام 2017 إلى أن نسبة الإصابة بين الذكور والإناث هي ثلاثة ذكور لكل أنثى.

عالمياً، تُشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن طفلاً واحداً من بين كل 160 طفلاً يُعاني من اضطراب طيف التوحد، مع الأخذ بالاعتبار أن هذه النسبة تُعتبر متوسطة، حيث تتباين معدلات الانتشار المُبلغ عنها في الدراسات المختلفة، ويعزى ذلك جزئياً إلى نقص البيانات الدقيقة والشاملة في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط.

وتُشير المنظمة أيضاً إلى أن معدلات انتشار اضطراب طيف التوحد في ازدياد عالمياً، ويُعزى هذا الارتفاع إلى عدة عوامل، من بينها التوسع في معايير التشخيص لتشمل طيفاً أوسع من الحالات، وزيادة الوعي العام باضطراب التوحد، وتطور الأدوات والأساليب المُستخدمة في التشخيص وإعداد التقارير.

الصعوبات الرئيسية التي يُعاني منها مرضى التوحد

الأطفال المصابون بمرض التوحد يُعانون أيضًا وبصورة شبه مؤكدة من صعوبات في ثلاثة مجالات تطورية أساسية، هي:

  1. العلاقات الاجتماعية المتبادلة.
  2. اللغة.
  3. السلوك.

كلما تقدم الأطفال في السن نحو مرحلة البلوغ يُمكن أن يُصبح جزء منهم أكثر قدرة واستعدادًا على الاختلاط والاندماج في البيئة الاجتماعية المحيطة، ومن الممكن أن يُظهروا اضطرابات سلوكية أقل من تلك التي تميز مرض التوحد، حتى أن بعضهم ينجح في عيش حياة عادية أو نمط حياة قريبًا من العادي والطبيعي.

في المقابل تستمر لدى آخرين الصعوبات في المهارات اللغوية وفي العلاقات الاجتماعية المتبادلة حتى أن بلوغهم يزيد من مشاكلهم السلوكية سوء.

قسم من الأطفال بطيئون في تعلم معلومات ومهارات جديدة، وآخرون منهم يتمتعون بنسبة ذكاء طبيعية، أو حتى أعلى من أشخاص آخرين عاديين، هؤلاء الأطفال يتعلمون بسرعة لكنهم يُعانون من مشاكل في الاتصال في تطبيق أمور تعلموها في حياتهم اليومية وفي التأقلم مع الأوضاع المختلفة.

قسم ضئيل جدًا من الأطفال الذين يُعانون من مرض التوحد هم مثقفون ذاتويّون وتتوفر لديهم مهارات استثنائية فريدة، تتركز بشكل خاص في مجال معين، مثل: الفن، أو الرياضيات أو الموسيقى.

أسباب مرض التوحد

من أهم الأسباب التي قد تُؤدي إلى التوحد:

اعتلالات وراثية

تشير الأبحاث إلى دور محوري للعوامل الوراثية في ظهور هذا الاضطراب. فقد اكتشف الباحثون وجود مجموعة من الجينات التي يُعتقد أنها تساهم في التسبب بالتوحد، حيث تلعب هذه الجينات أدوارًا مختلفة؛ فبعضها يزيد من قابلية الطفل للإصابة بالاضطراب، بينما يؤثر البعض الآخر بشكل مباشر على نمو الدماغ وتطوره، وكذلك على كيفية تواصل خلايا الدماغ مع بعضها البعض، ما يُحدث خللاً في وظائف الدماغ الطبيعية.

وعلى الرغم من أن بعض هذه الاختلالات الوراثية قد يكون مسؤولًا بمفرده عن ظهور حالات معينة من التوحد، إلا أن النظرة الشاملة تُرجح التأثير المركزي والحاسم للجينات بشكل عام على اضطراب طيف التوحد. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاعتلالات الوراثية قد تنتقل عبر الوراثة من الآباء للأبناء، في حين قد تظهر بعضها الآخر بشكل تلقائي أو طفرات جينية جديدة غير موروثة، ما يُؤكد على أهمية إجراء المزيد من البحوث والدراسات لفهم أعمق للأسس الجينية لاضطراب التوحد وتطوير تدخلات وعلاجات فعالة.

عوامل بيئية

تُعزى نشأة العديد من المشكلات الصحية، بما فيها اضطراب طيف التوحد، إلى تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والاستعداد الجيني من جهة، والعوامل البيئية المحيطة من جهة أخرى. يُجري الباحثون دراسات مُكثفة حول دور العوامل البيئية كمُحفزات لاضطراب التوحد، حيث يتم التركيز بشكل خاص على احتمالية تأثير التعرض للعدوى الفيروسية خلال مراحل النمو المُبكرة، بالإضافة إلى الآثار السلبية للتلوث البيئي بأنواعه المختلفة، كملوثات الهواء والمعادن الثقيلة والمواد الكيميائية، ودورها في زيادة خطر ظهور أعراض التوحد، إذ يُعتقد أن هذه العوامل البيئية قد تُعدّل في التعبير الجيني للأفراد ذوي الاستعداد الوراثي، ما يُساهم في ظهور الاضطراب.

عوامل أخرى

ثمة عوامل أخرى تخضع للبحث والدراسة في الآونة الأخيرة، تشمل: مشاكل أثناء مخاض الولادة، ودور الجهاز المناعي في كل ما يخص بالتوحد. يعتقد بعض الباحثين بأن ضررًا في اللوزة (Amygdala) وهي جزء من الدماغ يعمل ككاشف لحالات الخطر، هو أحد العوامل لتحفيز ظهور مرض التوحد.

عوامل خطر الإصابة بالتوحد

قد تظهر الذاتوية لدى أي طفل من أي أصل أو قومية، لكن هنالك عوامل خطر معروفة تزيد من احتمال الإصابة بالذاتوية، وتشمل هذه العوامل:

جنس الطفل

أظهرت الأبحاث أن احتمال إصابة الأطفال الذكور بالذاتوية هو أكبر بثلاثة أضعاف من احتمال إصابة الإناث. 

التاريخ العائلي

العائلات التي لديها طفل من مرضى التوحد لديها احتمال أكبر لولادة طفل آخر مصاب بالمرض، ومن الأمور المعروفة والشائعة هو أن الوالدين أو الأقارب الذين لديهم طفل من مرضى التوحد يُعانون هم أنفسهم من اضطرابات معينة في بعض المهارات النمائية، أو التطورية، أو حتى من سلوكيات ذاتوية معينة.

اضطرابات أخرى

الأطفال الذين يُعانون من مشاكل طبية معينة هم أكثر عرضة للإصابة بالذاتوية، هذه المشاكل الطبية تشمل:

  • متلازمة الكروموسوم إكس الهَشّ (Fragile x syndrome) وهي متلازمة موروثة تُؤدي إلى خلل ذهني.
  • التَصَلُّبٌ الحَدَبِيّ (Tuberous sclerosis) الذي يُؤدي إلى تكوّن وتطور أورام في الدماغ.
  • الاضطراب العصبي المعروف باسم متلازمة توريت (Tourette syndrome).
  • الصرع (Epilepsy) الذي يُسبب نوبات.

سن الوالد

يميل الباحثون إلى الاعتقاد بأن الأبوة في سن متأخرة قد تزيد من احتمال الإصابة بالتوحد.

قد أظهر بحث شامل جدًا أن الأطفال المولودين لرجال فوق سن الأربعين عامًا هم أكثر عرضة للإصابة بالذاتوية بنسبة 6 أضعاف من الأطفال المولودين لآباء تحت سن الثلاثين عامًان ويظهر من البحث أن لسن الأم تأثيرًا هامشيًا على احتمال الإصابة بالتوحد.

علامات وأعراض التوحد

يمكن أن يعاني المصابون باضطراب التوحد من مجموعة أعراض، منها الآتي:

  • صعوبة في التفاعل والتواصل مع الآخرين.
  • صعوبة في فهم كيف يشعر أو يفكر الآخرون.
  • القلق والانزعاج من الأحداث الاجتماعية والمواقف غير المألوفة.
  • استغراق وقت أكثر من المعدل المعتاد لفهم المعلومات.
  • الاستياء من الأضواء الساطعة والضوضاء والشعور بأنها مرهقة وغير مريحة.
  • تأخر الكلام، أو فقدان القدرة على ذلك بعد أن كان قادرًا عليه.
  • مشكلة في مهارات المحادثة، والتي تتضمن التواصل البصري والإيماءات.
  • فعل نفس الأمور والتفكير بها مرارًا وتكرارًا.

غالبًا ما تتم ملاحظة الأعراض على الأطفال في عمر صغير، ولكن في بعض الأحيان لا تكون ملحوظة للغاية فلا يتم الكشف عنها إلا عند دخول المدرسة أو حتى البلوغ، وقد تتغير الأعراض مع تقدم المصاب في السن، ولكن يبقى التواصل والمهارات والسلوكيات الاجتماعية تحدٍّ صعبًا بالنسبة له.

أنواع اضطرابات التوحد

هناك أكثر من نوع من أنواع ودرجات التوحد،فليس كل الأطفال يعانون من نفس حدة هذا المرض، ومن أهم درجاته ما يلي:

  • اضطراب طيف التوحد: وهو ما يقصد بها متلازمة اسبرجر، حيث يتميز الأطفال المصابون اضطرابات الطيف، أنهم أذكياء وقادرون على التعامل مع حياتهم اليومية، ويتحدثون في الموضوعات التي تشغل اهتمامهم، ولكن المشكلة تكمن معهم في طريقة التعامل الاجتماعي مع الآخرين سواء داخل المنزل أو خارجه.
  • اضطراب الطفولة التفككي: هي حالة يمر بها الطفل حيث ينمو بشكل طبيعي وبدون أي مشكلات خلال سن 3 أو 4 سنوات، ثم بعد ذلك، يبدأ في فقدان اللغة والمهارات الحركية والاجتماعية وغيرها من المهارات التي تعلمها بالفعل، ويجد صعوبة في التعامل مع الأشياء، يصبح لديه حساسية مفرطة اتجاه الأصوات أو المشاهد أو الروائح أو الأذواق.
  • اضطراب نمائي واسع الانتشار: اضطراب النمو هو إعاقة في النمو ناتجة عن اختلافات في الدماغ، وقد ترجع إلى عوامل وراثية أو مكتسبة، قد ينمون بشكل طبيعي خلال عامين، ولكن مع انتهاء العامين تظهر علامات وأعراض تشير إلى مشاكل مع التواصل اللفظي أو غير اللفظي، صعوبة بالغة في التكيف مع الآخرين والأحداث، ضعف القدرة على التركيز والفهم والاستيعاب.

تشخيص اضطراب التوحد

يجري طبيب الأطفال المعالج فحوصات منتظمة للنمو والتطور بهدف الكشف عن تأخر في النمو لدى الطفل.

في حال ظهرت أعراض التوحد لدى الطفل يُمكن التوجه إلى طبيب اختصاصي في علاج التوحد، الذي يقوم بالتعاون مع طاقم من المختصين الآخرين بتقييم دقيق للاضطراب.

نظرًا لأن مرض التوحد يتراوح بين درجات عديدة جدًا من خطورة المرض وحدة أعراضه، فقد يكون تشخيص الذاتوية مهمة معقدة ومركبة، إذ ليس هنالك فحص طبي محدد للكشف عن حالة قائمة من التوحد.

تشخيص المرض

يشمل التقييم الرسمي للتوحد ما يأتي:

  • معاينة الطبيب المختص للطفل.
  • المحادثة مع الأهل عن مهارات الطفل الاجتماعية، وقدراته اللغوية، وسلوكه، وعن كيفية ومدى تغيّر هذه العوامل وتطورها مع الوقت.
  • إخضاع الطفل لعدة فحوصات واختبارات لتقييم قدراته الكلامية واللغوية وفحص بعض الجوانب النفسية.

وبالرغم من أن أعراض التوحد الأولية تظهر قبل سن 18 شهرًا إلا أن التشخيص النهائي يكون في بعض الأحيان لدى بلوغ الطفل سن السنتين أو الثلاث سنوات فقط، عندما يظهر خلل في التطور، أو تأخير في اكتساب المهارات اللغوية، أو خلل في العلاقات الاجتماعية المتبادلة.

وللتشخيص المبكر أهمية بالغة جدًا، لأن التدخل المبكر وخصوصًا قبل بلوغ الطفل سن الثلاث سنوات يُشكل عنصرًا هامًا جدًا في تحقيق أفضل الاحتمالات والفرص لتحسن الحالة.

علاج اضطراب التوحد

حتى الآن لا يوجد علاج موحد لاضطراب التوحد، ولكن توجد العديد من الطرق لزيادة قدرة الطفل على النمو واكتساب مهارات جديدة حيث تشمل العلاجات: تصحيح السلوك والتواصل، والتدريب على المهارات، وتعلم تكوين الصداقات، وتقبل الآخرين، إضافة للأدوية المستخدمة للسيطرة على الأعراض.

ووفقًا لما نُشر في جمعية علم النفس الأمريكية (بالإنجليزية: American Psychological Association)‏ فإنّ الأعراض يمكن أن تنخفض بشكل ملحوظ مع التشخيص والعلاج المبكّرين، ويمكن أن تصل فاعلية العلاج والتشخيص المبكرّين إلى مرحلة فعالة حيث يستطيع الطفل حينها الالتحاق بالمدارس الملائمة لهم.

وفيما يأتي بيان لأبرز العلاجات المتاحة لمساعدة طفل التوحد:

  • علاج النطق: حيث يعد من أهم أشكال العلاج لأنه يمكّن الطفل من التعبير بشكل أفضل عن احتياجاته ورغباته، وذلك بالاستعانة بأخصاني أمراض النطق واللغة.
  • العلاجات الدوائية: يمكن أن تساعد في تحسين بعض الأعراض السلوكية، كالعدوانية والسلوك الذي يُلحق الأذى بالنفس.
  • العلاج الطبيعي: يُستخدم العلاج الطبيعي لتحسين المهارات الحركية، خاصة تلك التي تركّز على قدرة الطفل على الشعور والوعي الكامل بتحركات جسده.
  • التحليل السلوكي التطبيقي: حيث يهدف إلى تغيير السلوك بشكل منهجي اعتمادًا على مبادئ التعلم المستمدة من علم النفس السلوكي.
  • العلاج الوظيفي: يُستخدم العلاج الوظيفي للمساعدة في تعليم المهارات الحياتية والتي تحتاج لمهارات حركية دقيقة كارتداء الملابس وخلعها، والأكل باستخدام أدوات الطعام.

كيفية التعامل مع أطفال التوحد

في الحقيقة يجب على الوالدين وجميع أفراد الأسرة تعلم المشاركة في مسؤولية إعالة طفل التوحد، إذ لا توجد قواعد صارمة وسريعة حول كيفية التواصل والتعامل مع الطفل المصاب بالتوحد، ومن هذه القواعد ما يأتي:

  • تعلم الصبر في التعامل مع الطفل المصاب بالتوحد.
  • تعليم الطفل كيفية التعبير عن غضبه دون أن يكون شديد العدوانية.
  • يجب على الأهل إظهار الحب والاهتمام لطفلهم.
  • الحرص على التصرف بإيجابية، وذلك لأنّ أطفال التوحد يستجيبون بشكل أفضل للتصرفات الإيجابية.
  • الحرص على تجاهل سلوك الطفل المزعج الذي يهدف إلى جذب الانتباه، إذ يعد التجاهل أحد أفضل الطرق لمنعه، كما يُنصح بالتحدث مع الطفل عن السلوك الجيد ومكافئه عند تطبيقهِ.

اكتشاف المزيد من عالم المعلومات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

ما رأيك بهذه المقالة؟ كن أول من يعلق

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على موقعنا. تساعدنا هذه الملفات على تذكر إعداداتك وتقديم محتوى مخصص لك. يمكنك التحكم في ملفات تعريف الارتباط من خلال إعدادات المتصفح. لمزيد من المعلومات، يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية لدينا.
قبول
سياسة الخصوصية