هل أثارت فضولك يومًا معاني أسماء الأشهر الهجرية التي نستخدمها في حياتنا؟ إنّ كل شهر من شهور السنة الهجرية، بدءًا من شهر محرم وانتهاءً بشهر ذي الحجة، يحمل في طياته قصة فريدة ومعنى خاصًا يميزه عن غيره.
في هذا المقال، ننطلق في رحلة استكشافية شيقة عبر صفحات التاريخ للكشف عن أصول هذه الأسماء، والأسباب الكامنة وراء اختيارها، وكيف تعكس هذه التسميات جوانب بالغة الأهمية من تاريخنا وثقافتنا العربية والإسلامية. تعتمد الشهور الهجرية على الحساب القمري، ويُرجع اعتماد الأسماء الحالية للشهور الهجرية ومعانيها إلى عهد كِلاب بن مُرّة، الجد السادس للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
فقد وضع العرب آنذاك أسماء الشهور بما يتناسب غالبًا مع الظروف المناخية والبيئية السائدة في ذلك الزمان، حيث أطلقوا على كل شهر اسمًا يعكس المعاني والحالات التي ألفوها فيه. ويُذكر أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان أول من وضع التقويم الهجري، حيث اعتُمدت الأشهر العربية المعروفة سابقًا كأساس لهذا التقويم.
وبدأ تحديد السنوات الهجرية من لحظة هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة كمرجع زمني أساسي، ممّا يجعل حدث الهجرة النبوية الشريفة أهم حدث في التاريخ الإسلامي، إذْ منذ ذلك الحين انطلق عهد الدولة الإسلامية مع المسلمين من المهاجرين والأنصار، ووافقت الهجرة النبوية سنة 622 ميلادية.
معاني أسماء الأشهر الهجرية
شهر مُحرم
شهر مُحرم اكتسب اسمه من كونه شهرًا مُحَرَّمًا على العرب في الجاهلية، حيث كانوا يُحَرِّمون فيه ممارسة أنشطة حياتية مُعتادة كالصيد والقتال والتجارة، إعلاءً لشأنه وتقديسًا لحُرمته، وشهر مُحرم هو أحد الأشهر الحُرم الأربعة المُتفق عليها في الشريعة الإسلامية، وهي: شهر ذو القعدة، وشهر ذو الحجة، وشهر مُحرم، وشهر رجب. هذه الأشهر الحرم تتميز بمكانة خاصة في الثقافة الإسلامية لما لها من فضل وأحكام مُحددة.
شهر صَفَـر
يُعتبر شهر صَفَر الشهر الثاني في التقويم الهجري، ويحمل اسمه معانيَ لغوية وثقافية متعدّدة تعود إلى حقبة ما قبل الإسلام. من أبرز معاني اسم “صَفَر” هو “الخلوّ”، حيث يرجع ذلك إلى عادة العرب في الجاهلية، فبعد انقضاء الأشهر الحرم التي يُمنع فيها القتال، كان العرب ينطلقون في شهر صَفَر لقضاء شؤون حياتهم، بما في ذلك الحروب والغزوات والتجارة والأسفار، ممّا كان يُفضي إلى ترك بيوتهم خاليةً من أهلها، أي تُصبح “صِفْرًا” أو “تصفُر”، وهذا المعنى يُشير إلى خلوّ المنازل من ساكنيها بسبب خروجهم لقضاء مصالحهم.
وهناك تفسيرات واجتهادات أخرى حول تسمية هذا الشهر، منها ما يربط الاسم بحالة القبائل التي كانت تتعرّض للغزو في هذا الشهر، حيث كان الغزاة يتركون من يلاقونهم “صِفْر المتاع”، أي يسلبونهم ممتلكاتهم ويتركونهم بلا شيء، ما يُشير إلى معنى الفقد والخسارة. وبذلك، فإنّ شهر صَفَر يحمل في طياته دلالات تاريخية واجتماعية تعكس طبيعة حياة العرب في تلك الفترة، سواءً من حيث حركة التنقل والسفر أو من حيث الصراعات والحروب.
شهر ربيع الأول
تُشتق أسماء الأشهر الهجرية من دلالات لغوية وثقافية عميقة، فشهر ربيع الأول، على سبيل المثال، يحمل في طياته معانٍ متعددة ترتبط بأحوال الطبيعة وحياة العرب قديمًا. يُعزى اسم “ربيع” إلى زمن الربيع الذي تتخضّر فيه الأرض وتُصبح مُمرعة خصبة، حيث يكثر المطر الذي يُعدّ من أهم مظاهر هذا الفصل.
فمن معاني الربيع المطر والخصب والنماء، ومن مظاهر هذا الشهر أيضًا “الارتباع” وهو استقرار الناس وإقامتهم في منازلهم بعد انتهاء موسم الغزو والترحال الذي كان سائدًا في الأشهر السابقة، وخاصةً بعد شهر صفر الذي كان يُعدّ شهرًا للغزو والحروب عند العرب.
إذن، تسمية شهر ربيع الأول بهذا الاسم جاءت للدلالة على هذه المعاني المُجتمعة من خصب الأرض ووفرة الأمطار واستقرار الناس بعد حركة ونشاط، ليُمثل هذا الشهر بداية مرحلة جديدة من السكون والازدهار.
شهر ربيع الآخر
يُعدّ شهر ربيع الآخر، أو كما يُعرف أيضًا بـ “ربيع الآخِر” مع التشديد على الكلمة الأخيرة، الشهر الرابع في التقويم الهجري، وقد اكتسب هذا الاسم نتيجةً لتزامُن تسميته مع فصل الربيع، ممّا جعله يحمل هذا الوصف الدائم. ويُفضّل استخدام مُصطلح “ربيع الآخِر” بدلًا من “ربيع الثاني”؛ لأنّ لفظ “الثاني” يُوحي بوجود تسلسل مُستمرّ وإمكانية وجود شهر ثالث، في حين أنّنا نتحدّث هنا عن شهرين فقط يحملان اسم الربيع، وهما ربيع الأول وربيع الآخر، ممّا يجعل استخدام “الآخر” أكثر دقةً ووضوحًا في التعبير عن ترتيبه بينهما، ويُشير إلى كونه الشهر الربيعي الذي يلي شهر ربيع الأول في التقويم الهجري.
شهر جُمادَى الأولى
شُهر جُمادى الأولى، وهو الشهر الخامس في التقويم الهجري، اكتسب اسمه من حالة الطقس التي كانت سائدة وقت تسميته، حيث كان الماء يتجمد بسبب شدة البرد والزمهرير، وهذا هو السبب الغالب وراء تسميته بهذا الاسم. يُذكر أن هذا الشهر كان يُعرف قبل الإسلام باسم “جمادى خمسة”، ثم استقر على اسم “جمادى” لوقوعه في فصل الشتاء وقت التسمية، حيث كان تجمد الماء ظاهرة ملحوظة، مما أكسبه هذا الاسم المميز الذي يدل على حالة الجمود والتجمد الناتجة عن البرد الشديد.
يُعتبر شهر جمادى الأولى من الأشهر ذات الدلالة المناخية في التقويم الهجري، حيث يعكس ارتباطًا وثيقًا بالظروف الجوية التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية وقت وضع التقويم.
شهر جُمادَى الآخِرَة
يُعتبر شهر جمادى الآخرة، وهو الشهر السادس في التقويم الهجري، من الأشهر ذات الأهمية في الثقافة الإسلامية، وقد سُمي بهذا الاسم تحديدًا، “جمادى الآخرة”، لأن وقت تسميته تزامن مع فصل الشتاء، حيث كان البرد شديدًا والماء يتجمد، فَلَزِمَهُ هذا الاسم دلالةً على ذلك. والجدير بالذكر أنه يُفضَّل استخدام مُصطلح “جمادى الآخرة” بدلًا من “جمادى الثانية”، وذلك لأن لفظ “الثانية” يوحي بوجود شهر ثالث يُدعى “جمادى الثالثة”.
في حين أن الأشهر التي تحمل اسم جمادى هي شهران فقط: جمادى الأولى وجمادى الآخرة. ويُعدّ هذا الشهر بوابة زمنية مهمة عند المسلمين، حيث يسبق الأشهر المباركة رجب وشعبان ورمضان، ما يجعله محطة استعداد روحانيّة لهذه المناسبات الدينية الفضيلة.
شهر رَجَب
يُعتبر شهر رجب من الأشهر الحرم المُعظمة في التقويم الهجري، حيث يحمل اسم “رجب” في طياته معاني جليلة، فهو يُشير إلى التعظيم والتبجيل والإجلال.
كما يُفسر أيضًا بفعل “رجّب” الذي يعني دعم الشيء وإسناده، كدعم الشجر ليقوى على حمل ثمره الغزير دون انكسار، ويُقال إن تسمية رجب بهذا الاسم جاءت من عادة العرب في “ترجيب الرماح”، أي نزع النصال والأسنة منها كرمز للتوقف عن القتال وإحلال السلام، ممّا يُضفي على هذا الشهر هالة من السكينة والهدوء، حتى أن البعض يُطلق عليه لقب “رجب الأصمّ” كناية عن سكونه وخلوه من ضجيج المعارك وأصوات الأسلحة، ممّا يجعله شهرًا مُقدّسًا مُخصّصًا للعبادة والتأمل والتقرّب إلى الله.
شهر شَعْبان
يُعزى اسم شهر شعبان، وهو الشهر الثامن في التقويم الهجري، إلى عادة عربية قديمة تعود إلى ما قبل الإسلام، حيث كانت القبائل العربية تتشعب، أي تتفرق وتنتشر، خلال هذا الشهر لأسباب متعددة، من بينها شنّ الحروب والإغارات على الأعداء بعد توقفهم عن القتال خلال شهر رجب الذي كان يُعتبر من الأشهر الحرم التي يُمنع فيها القتال.
ولذلك يُشتق اسم شعبان من كلمة “شعب” التي تعني التفرق والانتشار، ممّا يجعلهُ شهرًا فارقًا بين شهر رجب الحرام وشهر رمضان المبارك، ويُمثّلُ مرحلة استعدادٍ ونشاطٍ بعد فترة من السكون والهدوء، ويُعتبر شهر شعبان من الأشهر ذات الأهمية في التاريخ الإسلامي.
شهر رمضان
شهر رمضان، وهو الشهر التاسع في التقويم الهجري، اكتسب اسمه من اللغة العربية القديمة، حيث أطلقه العرب على هذا الشهر تحديدًا عند تسمية الأشهر نظرًا لموافقته وقتًا كانت فيه الأرض تُرمَضُ من شدة الحرارة، أي تُصبح شديدة السخونة، فالرَّمَضُ يعني الحر الشديد. وفي الشريعة الإسلامية، اكتسب شهر رمضان معنىً روحيًا عميقًا، حيث يُعتبر شهرًا لتطهير النفس وحرق الذنوب والمعاصي من خلال الصيام والعبادات والأعمال الصالحة التي يتقرب بها المسلم إلى الله.
ولأهمية هذا الشهر ومكانته العظيمة في قلوب المسلمين، جرت العادة على إضافة كلمة “شهر” قبل اسمه، فيُقال “شهر رمضان”، وذلك على سبيل الإجلال والتعظيم والتمييز عن بقية الأشهر، حيث يجوز في غيره من الأشهر حذف كلمة “شهر” دون أن يُخلّ ذلك بالمعنى. وقد وردت أقوال تُشير إلى أن “رمضان” قد يكون اسمًا من أسماء الله الحسنى، ممّا يزيد من فضله وشرفه، إلا أنه يجب التمييز والتفريق بين اسم الجلالة وبين شهر رمضان كشهر مُحدد له فضائله وأحكامه.
شهر شوّال
يُعزى اسم شهر شوّال، وهو الشهر العاشر في التقويم الهجري، إلى الفترة التي سُمي فيها، حيث كانت الإبل تشهد نقصًا وجفافًا في ألبانها، ويُعرف ذلك بـ “تشوّل” اللبن، أي نقصانه وذهابه، ويعكس هذا الاسم حالة طبيعية كانت سائدة في تلك الفترة من السنة.
حيث ترتبط حياة البادية بشكل كبير بأحوال الإبل وإنتاجها من الحليب، ما يجعل هذه الظاهرة جديرة بالتسمية لتُميز هذا الشهر عن غيره، ويُعدّ هذا الشهر من بين الأشهر الهجرية ذات الدلالات اللغوية والثقافية المرتبطة بشكل وثيق ببيئة الجزيرة العربية وحياة سكانها قديمًا، حيث كانت الإبل تُشكّل عماد حياتهم واقتصادهم.
شهر ذو القعْدة
يُعتبر شهر ذو القعدة، وهو الشهر الحادي عشر في التقويم الهجري، من الأشهر الحُرُم التي كانت تُحظى بمكانة خاصة عند العرب قبل الإسلام واستمرت هذه المكانة في الشريعة الإسلامية، وقد سُمي هذا الشهر بهذا الاسم لعدة أسباب كلها تدور في فلك ملازمة السكون والهدوء، حيث يُرجّح أن تسميته جاءت من قعود العرب وملازمتهم لمنازلهم وديارهم بعد انتهاء موسم الغزو والترحال والصيد والقتال الذي كان شائعًا في الأشهر الأخرى، فيتفرغون فيه لشؤونهم الخاصة والاستعداد للأشهر التالية.
وقيل أيضًا أن التسمية جاءت من تذليلهم “القِعدان” وهي صغار الإبل استعدادًا لركوبها في رحلاتهم، كما يُذكر أن شهر ذو القعدة هذا يُعد من بين الأشهر التي يحرم فيها القتال إعلاءً لشأنه وتعظيمًا لحرمته، ويُشار إلى أنه يجوز في نطق اسم الشهر كسر حرف القاف “ذو القِعدة” كما يجوز فتحه “ذو القَعدة” وكلاهما صحيح من الناحية اللغوية.
شهر ذو الحِجّة
شهر ذو الحِجّة، وهو الشهر الثاني عشر والأخير في التقويم الهجري، يُعتبر من الأشهر الحُرم ذات المكانة العظيمة في الإسلام، حيث كان العرب منذ القدم، وقبل الإسلام، يُحيون فيه شعائر الحجّ ويُؤدّون مناسكه في هذا الشهر المُبارك، ولذلك اكتسب شهر ذو الحِجّة هذه التسمية المُقدّسة لارتباطه الوثيق بفريضة الحجّ وركن الإسلام الخامس، ممّا جعله شهرًا مميزًا ذا أهمية دينية كبيرة في التاريخ الإسلامي، وشهرًا مقترنًا بأداء مناسك الحجّ وإتمامها.
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.