تُعدّ تربية الأطفال على تحمل المسؤولية هدفًا جوهريًا تسعى إليه الأمهات، حيث يجب على كل أم الاهتمام بتعليم طفلها خطوات أساسية لاكتساب هذه الصفة بطريقة تُشعره بالسعادة والإنجاز لا بالثقل والإرهاق.
ففي عصرنا الحالي، نشهد ازدياد اعتماد الأطفال على غيرهم بشكل كبير، ما حوّل دور الأم من مُؤسِّسة لعادات صحية مُتوازنة تُساهم في بناء شخصية الطفل المُستقرة، إلى مُنفِّذة لكل ما يتعلق به من تفاصيل دون أن يُبذل هو أي مجهود. والأطفال، كغيرهم من البشر، لا يقتصر طموحهم على نيل المحبة فحسب، بل يتعداه إلى الشعور بأهميتهم في هذا العالم، وأن لوجودهم أثرًا إيجابيًا ملموسًا.
من هذا المنطلق، يُعتبر تعزيز حس المسؤولية لدى الأطفال منذ الصغر ذا تأثير بالغ الأهمية على صحتهم النفسية وعلاقاتهم الاجتماعية، حيث يُساهم في بناء شخصية واثقة وقادرة على مواجهة تحديات الحياة. ولحسن الحظ، تتوفّر وسائل عديدة يُمكن للأهل اعتمادها لتنمية هذا الحسّ لدى الطفل، ما يُمهّد له طريق النجاح في مُستقبله، ويُعزّز لديه مهارات حياتية أساسية كالتخطيط والتنظيم وحل المشكلات.
خطوات أساسية لتربية الأطفال على المسؤولية
شجعيه على مساعدتك في أعمال المنزل:
لتربية الأطفال على المسؤولية، من المهم تشجيعهم على المشاركة في الأعمال المنزلية منذ الصغر، حيث يتعلم الطفل أن له دورًا أساسيًا في سير الأمور داخل المنزل. يمكن تحقيق ذلك من خلال تعويد الطفل على إعادة الأشياء إلى أماكنها المخصصة بعد استخدامها، وترتيب غرفته أو أي مكان لعب فيه بعد الانتهاء، مما يرسخ لديه مفهوم النظام والمسؤولية عن مساحته الخاصة.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن تكليف الطفل بمهام بسيطة مثل وضع الأطباق على السفرة قبل تناول الطعام، أو المساعدة في جمعها بعد الانتهاء، ما يعزز شعوره بأهمية مساهمته في مجهود الأسرة. وحتى في مهام مثل طي الملابس، يمكن للطفل أن يشارك من خلال طي ملابسه أو تجميع جواربه، حتى وإن لم يكن الطي مثاليًا في البداية، فالمهم هو تشجيعه على المبادرة وتحمل المسؤولية، ومع التكرار سيكتسب المهارة ويتحسن أداؤه، ما يعزز ثقته بنفسه وشعوره بالمسؤولية تجاه منزله وأسرته.
هذه الممارسات البسيطة تغرس في الطفل قيمًا مهمة مثل التعاون والنظام وتحمل المسؤولية، وهي أساس تربية الأطفال تربية سليمة وفعالة.
اجعليه يتبرع بملابسه القديمة:
تُعدّ تربية الأطفال على المسؤولية من الركائز الأساسية في بناء شخصية سوية وفاعلة في المجتمع، ولتحقيق ذلك، يُمكن اتباع خطوات عملية مُجربة، من بينها تشجيع الطفل على التبرع بملابسه القديمة، حيث يُعتبر التبرع للغير قيمة إنسانية نبيلة يجب غرسها في نفوس الأطفال منذ الصغر.
ولتعزيز هذه القيمة لدى الطفل، يُمكن البدء بتشجيعه على التبرع بملابسه المُستعملة التي لا يزالُ بالإمكان الاستفادة منها، ومن ثمّ مُشاركته في عملية تجهيز الملابس المُخصصة للتبرع، ليُدرك الطفل قيمة ما يقوم به وأهميته، كما يُستحسن اصطحابه عند إيصال هذه الملابس إلى المُحتاجين، ليشعر بالفرحة الحقيقية التي تأتي من مساعدة الآخرين، وليترسخ لديه مفهوم العطاء وأثره الإيجابي على المُجتمع.
عودي طفلكِ على الإنفاق في الخير من مصروفه:
ينصح بتشجيع الطفل على تخصيص جزء يسير من مصروفه اليومي أو الأسبوعي للمساهمة في مساعدة الفقراء والمحتاجين، ممّا يعزز لديه قيمة العطاء والبذل وينمّي شعوره بالمسؤولية المجتمعية. هذه الممارسة التربوية الهامة تساهم في تنشئة جيل كريم الأخلاق، جيل يرقّ لمعاناة الآخرين و يشعر بآلامهم واحتياجاتهم، جيل يُقدّر قيمة التكافل الاجتماعي.
ولتعزيز هذا السلوك الإيجابي، يُستحسن اصطحاب الطفل عند تقديم الصدقات والتبرعات للفقراء والمحتاجين على أرض الواقع، مع الحرص على أن يقوم الطفل بتقديم المساعدة بنفسه قدر الإمكان، وتوجيهه ليتعلم كيفية مخاطبة المحتاجين بود ولطف وتواضع واحترام، ممّا يُعمّق فيه معاني الإنسانية والعطاء.
شجعيه على ممارسة الرياضات الجماعية:
تُعدّ تربية الأطفال على تحمل المسؤولية من أهم الجوانب في بناء شخصية الطفل المتوازنة والناجحة، ولتحقيق ذلك، يُنصح بتشجيع الطفل على الانخراط في ممارسة الرياضات الجماعية المتنوعة ككرة القدم، وكرة اليد، وكرة السلة، والكرة الطائرة، وغيرها من الأنشطة الرياضية الجماعية.
هذه الرياضات تُساهم بشكل فعّال في تنمية مهارات الطفل الحياتية، حيث يتعلم الطفل من خلالها أهمية العمل الجماعي والتعاون الوثيق مع زملائه في الفريق لتحقيق الأهداف المشتركة. كما تُعزز هذه التجارب الرياضية شعور الطفل بالمسؤولية تجاه دوره في الفريق وتجاه تحقيق النجاح الجماعي، ما يُساعده على بناء شخصية قيادية واجتماعية قادرة على تحمل المسؤوليات في مختلف جوانب حياته.
بالإضافة إلى ذلك، تُساهم الرياضة في تعزيز الانضباط الذاتي والالتزام بالقواعد، وهي من الصفات الهامة التي تُساعد الطفل على تحمل المسؤولية بشكل أفضل.
عوديه على الشعور بالغير والإحسان:
يتضمّن ذلك تنويع دائرة الأشخاص الذين يتعلّم الطفل مساعدتهم، ليشمل ذلك فئات مختلفة كالمحتاجين والفقراء، ممّا يساهم في تنمية حسّه بالمسؤولية المجتمعية. كما يُستحسن توسيع نطاق المساعدة ليشمل فئة كبار السن، سواء كانوا من المحتاجين أو غيرهم، من خلال تقديم المساعدة لهم في الحركة أو الجلوس معهم ومؤانستهم، حتّى داخل المنزل كالأجداد.
إنّ تشجيع الطفل على الشعور بالآخرين ولمس احتياجاتهم يُعدّ أمراً بالغ الأهمية، حيث يساعده ذلك على التخلّي عن أنانيته وحبّه لذاته، ويدفعه إلى وضع نفسه مكان الآخرين، ممّا يُنمّي لديه التعاطف والمسؤولية تجاه المجتمع. هذه الممارسة تُساهم في بناء جيل واعٍ مُدرك لأهمية العطاء والمساهمة في بناء مجتمع مُتكافل.
اروي له القصص المشجعة على تحمل المسؤولية:
لتربية الأطفال على تحمل المسؤولية، يُعدّ استخدام القصص المشجعة من الأساليب الأساسية والفعّالة. فبدلًا من التلقين المباشر الذي قد لا يُجدي نفعًا كبيرًا مع الأطفال، يُفضّل غرس القيم الإيجابية لديهم من خلال سرد القصص والحكايات الشيقة، ومشاهدة الأفلام الكرتونية الهادفة، والاستماع إلى الأغاني التربوية المناسبة لأعمارهم. هذه الوسائل الإبداعية تتناسب مع طريقة تفكير الأطفال وتُخاطب عقولهم بطريقة سلسة ومحببة، ما يجعلهم أكثر استجابة وتقبّلًا للقيم المراد غرسها.
كما تُحفّزهم على تقليد السلوكيات الإيجابية التي يرونها في تلك القصص والأفلام، وبالتالي تُساعدهم على اكتساب صفة المسؤولية بشكل تدريجي وممتع. هذه الطريقة تُعتبر من أهم استراتيجيات تربية الأطفال الحديثة التي تُركّز على بناء شخصية الطفل بشكل إيجابي من خلال وسائل ترفيهية وتعليمية مُحببة.
علميه الاعتماد على النفس:
تربية الأطفال على المسؤولية تبدأ بتعليمهم الاعتماد على النفس منذ الصغر، وذلك من خلال ترسيخ فكرة أنهم أشخاص مسؤولون وقادرون على مواجهة التحديات وتحمل المسؤوليات الموكلة إليهم.
يتجلى ذلك في تشجيعهم على إثبات كفاءتهم في الاعتماد على الذات في مختلف جوانب حياتهم اليومية، بدءًا من إنجاز الواجبات الدراسية المنزلية بشكل مستقل، مرورًا بارتداء ملابسهم وأحذيتهم بأنفسهم دون مساعدة، وصولًا إلى الاهتمام بنظافتهم الشخصية كتمشيط الشعر والاستحمام بمفردهم، مع مراعاة أن يكون ذلك مناسبًا لأعمارهم وقدراتهم، كأن يُطلب من الطفل الاستحمام بمفرده إذا كان عمره تسع سنوات أو أكثر، ما يُساهم في بناء شخصية مستقلة وقادرة على تحمل المسؤولية في المستقبل.
اغرسي بداخله قيمة الأمانة والحفاظ على ممتلكات الآخرين:
يجب غرس قيمة الأمانة في نفوسهم منذ الصغر، وتعليمهم الحفاظ على ممتلكات الآخرين مهما كان مكانها، سواء كانت في المدرسة أو النادي أو الشارع أو حتى في وسائل المواصلات العامة. فبدلًا من أن يتعلّم الطفل الاستهتار بممتلكات الغير لمجرّد أنها ليست في منزله، يجب توعيته بأهمية صيانة الأمانة والحفاظ عليها كجزء لا يتجزأ من مسؤوليته، ممّا يُساهم في تنشئته على احترام حقوق الآخرين وممتلكاتهم، ويعزّز لديه الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع ككلّ. إنّ هذه التربية تُشكّل حجر الزاوية في بناء جيل واعٍ يُقدّر قيمة الأمانة ويتحمّل مسؤولياته تجاه نفسه ومجتمعه.
ابتعدي عن الدلال الزائد:
تُعدّ تربية الأطفال على تحمّل المسؤولية من أهمّ الركائز الأساسية في بناء شخصية الطفل القوية والناجحة، حيثُ يُعتبر الابتعاد عن الدلال الزائد من الخطوات الجوهرية في هذه العملية التربوية. فعلى عكس الاعتقاد الشائع بأنّ الدلال المُفرط يُعبّر عن الحبّ والاهتمام، يُؤدّي هذا السلوك في الواقع إلى نتائج عكسية تماماً، إذ يُنشئُ أطفالاً اتكاليين غير قادرين على مواجهة تحديات الحياة وتحمّل تبعات قراراتهم وأفعالهم، ويُفقدهم القدرة على الاعتماد على الذات واتخاذ القرارات الصائبة، ممّا يجعلهم عُرضةً للإحباط والفشل عند مواجهة أيّ صعوبات.
لذا من الضروريّ أن يُدرك الآباء والأمهات أهمية التوازن في التربية بين توفير الحبّ والدعم وبين تعليم الطفل الاعتماد على النفس وتحمّل المسؤولية منذ الصغر.
ادفعيه لإدراك قيمة الوقت واحترامها:
تُعدّ تربية الأطفال على تحمّل المسؤولية من أهمّ الركائز الأساسية في بناء شخصية الطفل وتطوره المستقبلي، ومن بين الجوانب الهامة في هذا السياق، يأتي غرس قيمة الوقت وأهميته في نفوسهم. ولتحقيق ذلك، يجب توجيه الطفل نحو إدراك حقيقة أنّ الوقت مورد ثمين لا يُعوّض، وشرح مفهوم أنّ “الوقت كالسيف إن لم يقطعه قطعه”، أي أنّ إضاعة الوقت وعدم استغلاله بشكل فعّال سيؤدي إلى نتائج سلبية.
يُمكن تحقيق ذلك من خلال تدريب الطفل على وضع جداول زمنية مُناسبة تُساعده على تقسيم وقته بين مختلف الأنشطة اليومية، مثل الدراسة، وممارسة الأنشطة الرياضية، والأنشطة الترفيهية، مع التأكيد على أهمية الالتزام بهذه الجداول.
على سبيل المثال، يُمكن تشجيع الطفل على الانضمام إلى فريق رياضي والالتزام بمواعيد التمرين المحددة، حيث يُساهم ذلك في تعزيز شعوره بالمسؤولية تجاه الفريق والتزاماته، ويُنمّي لديه قيمة احترام الوقت والمواعيد، ويُساعده على فهم أهمية إدارة الوقت في تحقيق أهدافه وتطوير مهاراته.
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.