ما هي خصائص الصوت، مصادره، وأهم المحطات التاريخية في اكتشافه

الصوت هو شكل من أشكال الطاقة ينتقل عبر موجات ميكانيكية طولية غير مرئية، حيث ينتشر هذا النوع من الموجات في الأوساط المادية المختلفة كالمواد الصلبة والسوائل والغازات، بينما لا يستطيع الانتشار في الفراغ لافتقاده للوسط المادي الذي يحمل هذه الموجات.

ويُعدّ التردد من الخصائص الهامة للصوت، فالأذن البشرية قادرة على سماع الأصوات التي يقع ترددها ضمن نطاق معين يتراوح بين 20 هرتز و 20000 هرتز، تُعرف هذه الأصوات بالنطاق السمعي البشري، بينما تُعتبر الأصوات ذات الترددات الأعلى أو الأقل من هذا النطاق غير مسموعة للإنسان.

وقد بدأت الدراسات والأبحاث حول الصوت منذ القدم، حيث يُعتبر العالم اليوناني بوليو من أوائل العلماء الذين اهتموا بدراسة هذه الظاهرة الفيزيائية ووضعوا الفرضيات والنظريات الأولية لتفسيرها، كما ساهم علماء الحضارة الإسلامية بدور هام في تطوير فهمنا للصوت، حيث برزت إسهامات علماء كابن جني وابن سينا في هذا المجال، وسوف نركز في هذا المقال على استعراض وتحليل خصائص الصوت المختلفة وكيفية تأثيرها على إدراكنا لهذه الظاهرة.

مصادر الصوت

يُعدّ “الصوت” ظاهرة فيزيائية ناتجة عن مصادر مُتنوعة، حيث ينشأ الصوت أساسًا من اهتزاز المواد الصلبة، فعندما يهتز جسم مادي، فإنه يُحدث اضطرابًا في الوسط المُحيط به، سواء كان هواءً أو ماءً أو مادة صلبة أخرى، وينتقل هذا الاضطراب على شكل موجات صوتية. كما يُعتبر الضغط أو التوسّع السريع لمادة ما، كما يحدث في الانبعاثات والانفجارات، مصدرًا آخر للصوت، حيث يُؤدي التغيّر المُفاجئ في الضغط إلى توليد موجات صوتية تنتشر في الوسط المُحيط.

إضافةً إلى ذلك، يُمكن أن ينتج الصوت عن تدفق الهواء حول المواد، فعندما يتدفق الهواء حول جسم ما، فإنه يُمكن أن يُحدث اضطرابًا في جريان الهواء، ممّا يُؤدي إلى تشكيل تردّداتٍ مُختلفة، وبالتالي تشكيل موجاتٍ صوتية، وهذا ما يحدث في الآلات الموسيقية الهوائية مثل الصافرة أو الناي، حيث يُساهم تدفق الهواء عبر هذه الآلات في إنتاج نغماتٍ صوتية مُحددة بترددات مُختلفة. هذه المصادر المُتنوعة تُبيّن كيف يُمكن أن ينشأ الصوت في البيئات والظروف المُختلفة.

انتقال الصوت

ينتقل الصوت من خلال الموجات الصوتية المنتشرة في الفراغ بوجود طاقة نقل بهدف المساعدة على انتشاره، وهناك نوعان من الموجات الصوتية، وهي:

  • الموجات الطولية: هي عبارة عن ذبذبة الجسيمات في اتجاه نقل الطاقة نفسه، وبالتالي انتشار الصوت باتجاه حركة الجسيمات نفسها، وتُعد الموجات الطولية أبسط أنواع الموجات، وتحدثُ بشكلٍ عام في السوائل والغازات.
  • الموجات العرضية: تنتشر في الأوساط الصلبة على شكل موجات متتابعة، كما تكون متعامدةً مع اتجاه انتشار الصوت.

خصائص الصوت

الصوت من أهم الظواهر التي تُستعمل من قِبل الإنسان والحيوانات من أجل التفاهم عن طريق استخدام حاسّة السمع ممثّلةً في الأذنين حيث بواسطتها تتحوّل الموجات الصوتية إلى موجاتٍ كهربائية ثم تتم ترجمة هذه الموجات في الدماغ من أجل التمييز بين الأصوات المفهومة وغير المفهومة، ومن خصائص الصوت أو الموجات الصوتية ما يلي:

طول الموجة

يُعدّ الطول الموجي للصوت، وهو مفهوم أساسي في علم الصوتيات، المسافة التي تقطعها الموجة الصوتية خلال دورة كاملة واحدة، أي المسافة بين نقطتين متتاليتين لهما نفس الطور في الموجة. يرتبط الطول الموجي ارتباطًا وثيقًا بكل من سرعة انتشار الصوت في الوسط وتردد الموجة الصوتية، حيث تحكمهما علاقة رياضية عكسية واضحة: الطول الموجي (λ) يساوي سرعة الصوت (ع) مقسومة على تردد الموجة (ت)، أي (λ = ع / ت).

تشير هذه العلاقة الهامة إلى أن الأصوات ذات الترددات العالية، كالأصوات الحادة، تتميز بأطوال موجية قصيرة، حيث تتذبذب الموجة بسرعة أكبر، وبالتالي تقطع مسافة أقصر في الدورة الواحدة. في المقابل، تتميز الأصوات ذات الترددات المنخفضة، كالأصوات الغليظة، بأطوال موجية طويلة، حيث تتذبذب الموجة ببطء أكبر، مما يسمح لها بقطع مسافة أطول في الدورة الواحدة.

يُعتبر فهم العلاقة بين الطول الموجي والتردد وسرعة الصوت ضروريًا لتحليل خصائص الصوت وتطبيقاته المختلفة، مثل تصميم أنظمة الصوت ومعالجة الإشارات الصوتية ودراسة الظواهر الصوتية في الطبيعة.

الكثافة

كثافة الصوت تُعرف بأنها كمية الطاقة الصوتية الموجودة ضمن نطاق السمع البشري، وتتناسب هذه الكثافة طرديًا مع مربع سعة الموجة الصوتية، أي كلما زادت سعة الموجة ازداد مقدار الطاقة وبالتالي كثافة الصوت، وتُقاس كثافة الصوت بوحدات قياس مُختلفة، منها الواط لكل سنتيمتر مربع (واط/سم²) أو بوحدة الديسيبل (dB) وهي وحدة لوغاريتمية تُستخدم على نطاق واسع لقياس شدة الصوت، ويُعتبر مستوى 0 ديسيبل مُعادلًا لكثافة صوتية تُقدّر بـ 10⁻¹⁶ واط/سم²، ما يعني أن كل زيادة بمقدار عشرة أضعاف في قيمة الواط/سم² تُقابل زيادة بمقدار 10 ديسيبل في مستوى شدة الصوت.

بمعنى آخر، إذا زادت الطاقة الصوتية عشر مرات، فإن مستوى الديسيبل يزيد بمقدار 10، ما يُعبّر عن العلاقة اللوغاريتمية بين كثافة الصوت ومستوى الديسيبل، إضافةً إلى ذلك، تتأثر كثافة الصوت بشكل كبير بالمسافة بين مصدر الصوت والمستقبل، حيث تقل كثافة الصوت بشكل ملحوظ وسريع كلما ابتعدنا عن مصدره، ويعود ذلك إلى انتشار الطاقة الصوتية على مساحة أكبر مع زيادة المسافة، ما يُقلل من كمية الطاقة التي تصل إلى وحدة المساحة عند المُستقبل، وبالتالي انخفاض كثافة الصوت المسموع.

الحجم

يتأثر حجم الصوت بشكل كبير بكثافته، حيث يزداد حجم الصوت وارتفاعه بازدياد كثافة الموجة الصوتية، كما أن تردد الصوت يلعب دورًا حاسمًا في إدراكنا لحجم الصوت، وذلك نظرًا لطبيعة الأذن البشرية الحساسة بشكل خاص لنطاق معين من الترددات الصوتية. فعلى سبيل المثال، تعتبر أقل كثافة صوتية يمكن للأذن البشرية سماعها تقع في حدود الصفر ديسيبل ضمن نطاق ترددات يتراوح بين 2000 و 5000 هرتز، وهو النطاق الذي تكون فيه الأذن أكثر حساسية.

ونتيجة لذلك، فإن الترددات الصوتية التي تقل عن 2000 هرتز أو تزيد عن 5000 هرتز ستؤدي إلى تغيير في كثافة الصوت المسموع، حيث قد يبدو الصوت أقل كثافة أو أعلى كثافة من المتوقع، ما يعني أن الصوت قد يكون بالكاد مسموعًا في حال انخفاض الكثافة والترددات عن النطاق الحساس، أو قد يكون عاليًا جدًا ومزعجًا، بل وقد يتسبب في الشعور بالألم أو حدوث ضرر في حال تجاوز الكثافة والترددات مستويات معينة، ما يبرز أهمية كل من الكثافة والتردد في تحديد حجم الصوت وكيفية إدراك الأذن البشرية له.

التردد والنبرة

يُعدّ التردد الصوتي من الخصائص الفيزيائية الأساسية للصوت، وهو يلعب دورًا حاسمًا في تحديد نبرة الصوت أو ما يُعرف بحدة الصوت. هناك علاقة طردية مباشرة بين التردد ونبرة الصوت، بمعنى أنه كلما ازداد تردد الموجة الصوتية، ازدادت حدة النبرة وأصبح الصوت أكثر حدة أو “رفيعًا”.

وعلى العكس من ذلك، كلما انخفض تردد الموجة الصوتية، انخفضت حدة النبرة وأصبح الصوت أكثر غلظة أو “منخفضًا”. هذه العلاقة بين التردد والنبرة تجعلنا نميز الأصوات المختلفة من حولنا، حيث تُفسَّر الأصوات الحادة على أنها ذات ترددات عالية، بينما تُفسَّر الأصوات الغليظة على أنها ذات ترددات منخفضة.

بالإضافة إلى ذلك، ترتبط كثافة الصوت أيضًا بالنبرة، حيث تزداد النبرة مع ازدياد كثافة الصوت، مما يُعطي إحساسًا إضافيًا بمدى ارتفاع أو انخفاض الصوت وقوته. بالتالي، يُعتبر التردد مفتاحًا لفهم طبيعة الصوت وكيفية إدراكنا لنبرته وحدته.

السرعة

تُعدّ سرعة الصوت خاصية فيزيائية مُهمة تعتمد بشكل أساسي على خصائص الوسط الذي ينتقل خلاله، حيث يتأثر انتقال الصوت بمرونة وكثافة هذا الوسط. فكلما ازدادَت مرونة الوسط وانخفضت كثافته، ازدادت سرعة انتقال الموجات الصوتية. وكنتيجة لذلك، ينتقل الصوت بسرعة أكبر في المواد الصلبة مُقارنةً بالمواد السائلة، كما ينتقل في السوائل بسرعة تفوق سرعته في الغازات.

ويُمكن تفسير ذلك بأن جزيئات المواد الصلبة مُتراصة بشكل أكبر، ما يُسهل انتقال الاهتزازات الصوتية بينها، بينما تكون جزيئات السوائل أقل تراصًا، وجزيئات الغازات أكثر تباعدًا، ما يُعيق انتقال الصوت. علاوة على ذلك، تلعب درجة الحرارة دورًا في تحديد سرعة الصوت، حيث يزداد انتقال الصوت مع ارتفاع درجة الحرارة، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى تأثير درجة الحرارة على كثافة المواد، وخاصة السوائل والغازات، إذ يؤدي ارتفاع درجة الحرارة إلى انخفاض كثافة هذه المواد، ما يُسهل حركة الجزيئات وانتقال الصوت بينها.

وبالتالي، يُمكن القول إن سرعة الصوت تتأثر بمجموعة من العوامل الفيزيائية، مثل مرونة وكثافة الوسط ودرجة الحرارة، ما يُفسر اختلاف سرعة الصوت في الأوساط المختلفة.

خصائص أخرى

للصوت خصائص أخرى، ومنها:

  • الانعكاس.
  • الانكسار.
  • الانحراف.
  • التشويش.

محطات تاريخية في اكتشاف الصوت

مر تاريخ الصوت بعصور مختلفة حيث أضاف كل عالم تجاربه وفرضياته ونتائجه على الصوت، ليستفيد منها من بعده، ويعدل عليها، حتى وصلوا إلى الحد الذي تراكمت فيه علوم الصوت بشكل واضح ليتم الحصول على النتائج الحالية في العصر الحاضر.

فيثاغورس

اعتقد فيثاغورس، الفيلسوف وعالم الرياضيات الإغريقي الشهير، أن الأرقام ليست مجرد رموز رياضية مجردة، بل هي مفاتيح لفهم الكون بأكمله، بما في ذلك عالم الصوت والموسيقى. فقد رأى أن كل شيء في الوجود، من الكواكب في مداراتها إلى الأجسام المادية على الأرض، يصدر اهتزازات مميزة تعتمد على حجمه وشكله وحركته والمسافة بينه وبين الأجسام الأخرى.

انطلاقًا من هذا المفهوم، أجرى فيثاغورس تجارب رائدة على الأوتار المشدودة، حيث لاحظ وجود علاقة رياضية دقيقة بين طول الوتر والنغمة الصوتية الناتجة عنه. فقد اكتشف أن الوتر الذي يبلغ طوله نصف طول وتر آخر مماثل سيصدر نغمة أعلى بمقدار “أوكتاف” عند ضربه أو سحبه، وهي علاقة رياضية بسيطة تعكس مضاعفة التردد الصوتي.

كما وجد أن تقسيم الوتر إلى ثلاثة أثلاث سيرفع طبقة الصوت بمقدار “خمسة”، وأن تقسيمه إلى أربعة أرباع سيؤدي إلى ارتفاع الصوت بشكل أكبر، وهكذا. هذه الاكتشافات قادت إلى مفهوم “المتسلسلة التوافقية”، وهي ظاهرة فيزيائية أساسية تؤثر على الموجات والترددات بشكل عام، سواء كانت موجات صوتية أو غيرها.

هذه النسب الرياضية التي وضعها فيثاغورس، والتي تربط بين الأطوال والترددات الموسيقية، أثرت بشكل عميق على تطور أنظمة الصوت عبر التاريخ، حيث تُعتبر أساسًا للعديد من المفاهيم الموسيقية والفيزيائية الحديثة. بمعنى آخر، فإن الآلات الموسيقية الحديثة، بتقنياتها المتطورة، لا تزال تعتمد، بشكل أو بآخر، على المبادئ الرياضية التي وضعها فيثاغورس منذ حوالي 2500 عام، مما يبرز أهمية إسهاماته في فهمنا للصوت والموسيقى.

فيتروفيوس

يُعتبر فيتروفيوس، المهندس المعماري الروماني الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد، من الروّاد في دراسة “الصوت” وتأثيره في التصميم المعماري، حيث وضع تصورًا دقيقًا لآلية انتقال الموجات الصوتية، مُشبهًا إياها بأمواج المحيط في انتشارها وتفاعلها، وقد كان لهذا التصور أثر بالغ في تصميم المسارح الرومانية القديمة.

إذ سعى فيتروفيوس إلى تحسين جودة “الصوت” ووصوله إلى الجمهور بأفضل شكل ممكن، وقد عبّر عن هذه الفكرة في كتاباته قائلًا: “كما في حالة الأمواج الناشئة في الماء، كذلك الحال بالنسبة للصوت”، مُضيفًا توضيحًا هامًا حول كيفية انتشار هذه الأمواج الصوتية دون تشويش، حيث كتب: “الموجة الأولى، عندما لا يكون هناك عائق يقطعها، فلا تكسر الموجة الثانية أو التابعة، لكنها تصل جميعها إلى آذان المتفرجين بدون صدى”، مُركزًا بذلك على أهمية انسيابية انتشار “الصوت” ووصوله نقيًا إلى جميع أرجاء المسرح، ما يُبرز فهمه العميق لطبيعة “الصوت” وتأثيره في الفضاءات المعمارية.

جاليليو جاليلي

يعتبر العالِم الفلكي والفيزيائي والرياضي الإيطالي الشهير جاليليو جاليلي (1564-1642) شخصية محورية في تاريخ العلوم، حيث تُعزى إليه بدايات الدراسة العلمية الحديثة للموجات و علم الصوتيات بشكل خاص. فقد خطا جاليليو خطوات رائدة في فهم طبيعة الصوت من خلال دراسة الاهتزازات الميكانيكية، واكتشاف العلاقة الرياضية الهامة التي تربط بين درجة الصوت أو حدته وتردد مصدر الصوت المهتز، أي عدد المرات التي يهتز فيها الجسم في الثانية الواحدة.

هذا الاهتمام العميق بالصوت لم يكن وليد الصدفة، بل كان مستوحى جزئيًا من والده، الذي كان يتمتع بمكانة مرموقة كعالم رياضيات مرموق، وموسيقيًا موهوبًا، وملحنًا موسيقيًا مشهورًا، مما أثرى شغف جاليليو بالظواهر الفيزيائية المرتبطة بالصوت والموسيقى.

مارين ميرسين

يُعتبر العالم الفرنسي مارين ميرسين، الذي عاش في القرن السابع عشر، من أوائل العلماء الذين قاموا بمحاولات جادة وممنهجة لدراسة خواص “الصوت” وقياس سرعته في الهواء. ففي عام 1640م، أجرى ميرسين تجارب رائدة وهامة هدفت إلى تحديد “سرعة الصوت” في وسط الهواء، مساهمًا بذلك في وضع الأسس الأولى لعلم الصوتيات التجريبي.

لم تتوقف إسهامات ميرسين عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل دراسة الأوتار المهتزة، حيث يُنسب إليه اكتشاف قانونين مهمين يحكمان سلوك هذه الأوتار، وهما القانون الثاني والثالث للأوتار، مما يعكس فهمه العميق للعلاقة بين الخصائص الفيزيائية للأوتار و”الصوت” الناتج عنها. تُظهر هذه الإنجازات أهمية ميرسين كشخصية محورية في تاريخ الفيزياء وعلم “الصوت”، حيث جمع بين الدراسة النظرية والتجريب العملي لفهم الظواهر الصوتية.

روبرت هوك

في أواخر القرن السابع عشر، تحديدًا في عام 1636، خطا العالم الفيزيائي الإنجليزي الشهير روبرت هوك خطوة رائدة في دراسة “الصوت” من خلال إنتاج أول موجة صوتية بتردد مُحدد وقابل للقياس. استخدم هوك في تجربته المبتكرة عجلة مسننة دوارة كأداة قياس دقيقة، مما سمح له بتحقيق تحكم دقيق في تردد الموجة الصوتية المُنتجة.

يُعتبر هذا الإنجاز مُهمًا في تاريخ علم الصوت، حيث وضع هوك بذلك أساسًا لفهم العلاقة بين التردد وخواص “الصوت”، وفتح الباب أمام دراسات أعمق حول طبيعة الموجات الصوتية وكيفية إنتاجها وقياسها. يُذكر أن روبرت هوك كان عالمًا متعدد المواهب، حيث برع في مجالات الفيزياء والبصريات والرياضيات وغيرها، وقدم إسهامات جليلة في تطور العلوم.

جوزيف سوفور

في أواخر القرنين السابع عشر والثامن عشر، انكبّ الفيزيائي الفرنسي جوزيف سوفور على دراسة العلاقة المعقدة بين تردد الموجات الصوتية والنبرة التي تُدرك بها الأذن البشرية، مركزًا أبحاثه على سلوك الموجات في الأوتار المشدودة أو الممتدة. وقد أدت هذه الدراسات المتعمقة إلى وضع أساس راسخ لعلم الصوتيات، حيث خلّف سوفور إرثًا هامًا يتجلى في المصطلحات الصوتية التي لا تزال تُستخدم حتى يومنا هذا في وصف وتحليل الظواهر الصوتية المختلفة.

ويُعتبر سوفور رائدًا في هذا المجال، إذ يُنسب إليه الفضل في اقتراح مصطلح “علم الصوتيات” (Acoustics) ليُصبح الاسم المُعتمَد للدراسة العلمية الشاملة لكل ما يتعلق بالصوت، من إنتاجه وانتقاله وتأثيره، ممّا جعله شخصية محورية في تاريخ فهمنا لطبيعة الصوت.

أثناسيوس كيرشر

يُعتبر العالم الألماني أثناسيوس كيرشر من الشخصيات البارزة في مجال دراسة “الصوت” وخواصه، حيث أجرى تجربة رائدة هدفت إلى فهم كيفية انتقال الصوت في الأوساط المختلفة. تمثلت هذه التجربة في وضع جرس داخل جرة زجاجية محكمة الإغلاق، ثم قام كيرشر بعملية تفريغ الهواء من داخل الجرة باستخدام مضخة تفريغ بدائية آنذاك. الملاحظة الهامة التي سجلها كيرشر هي استمرار سماع صوت الجرس حتى بعد إتمام عملية التفريغ، الأمر الذي دفعه إلى استنتاج غير دقيق مفاده أن وجود الهواء ليس شرطًا أساسيًا لانتقال “الموجات الصوتية”.

ومع ذلك، يُعزى هذا الاستنتاج الخاطئ في الواقع إلى عدم قدرة مضخات التفريغ في تلك الحقبة الزمنية على إفراغ الجرة بشكل كامل من الهواء، مما يعني وجود كمية ضئيلة من الهواء داخل الجرة كانت كافية لنقل “الصوت” وإن بشكل مخفف. تُظهر هذه التجربة، رغم الخطأ في الاستنتاج النهائي، أهمية التجارب العلمية في تطور فهمنا لخواص “الصوت” وكيفية انتشاره في الأوساط المختلفة، سواء كانت غازية أو سائلة أو صلبة، وتُبرز أيضًا محدودية الأدوات العلمية في بعض المراحل التاريخية وتأثيرها على دقة النتائج المُستخلصة.

روبرت بويل

في عام 1660، أجرى العالم البريطاني الشهير روبرت بويل تجربة رائدة أثبتت بشكل قاطع أن انتقال الصوت يستلزم وجود وسط مادي. فقد قام بويل بوضع جرس رنان داخل وعاء زجاجي محكم الإغلاق، ثم بدأ بتفريغ الهواء تدريجيًا باستخدام مضخة تفريغ. ولاحظ بويل أنه مع استمرار رنين الجرس، بدأ الصوت بالتلاشي والانخفاض تدريجيًا بالتزامن مع انخفاض كمية الهواء داخل الوعاء.

وعندما تم تفريغ معظم الهواء من الوعاء، اختفى الصوت تمامًا على الرغم من استمرار الجرس في الرنين. هذه التجربة الحاسمة أوضحت بجلاء أن الصوت لا ينتقل في الفراغ، بل يحتاج إلى وسط مادي مثل الهواء أو الماء أو المواد الصلبة لنقله عبر جزيئاته. فغياب هذا الوسط، كما في حالة الفراغ داخل الوعاء، يمنع انتقال الموجات الصوتية وبالتالي انعدام سماع الصوت. تعتبر تجربة بويل هذه من أهم التجارب التي وضعت الأساس لفهمنا لطبيعة الصوت وكيفية انتشاره.

جيوفاني ألفونسو بوريلي وفينشنزو فيفياني

في عام 1650، أجرى العالمان الفيزيائيان البارزان جيوفاني ألفونسو بوريلي وفينشنزو فيفياني تجارب رائدة وهامة هدفت إلى تحديد وقياس سرعة الصوت في الهواء بدقة. وقد شكّلت هذه التجارب إسهامًا كبيرًا في فهمنا لطبيعة الصوت وانتشاره. من خلال سلسلة من القياسات والتجارب المتقنة، توصّل العالمان إلى قيمة تُقدّر بـ 350 مترًا في الثانية كسرعة انتشار الصوت في الهواء.

تُعتبر هذه النتيجة من أوائل المحاولات العلمية الموثقة لقياس سرعة الصوت، وقد وضعت الأساس لمزيد من الدراسات والأبحاث اللاحقة في علم الصوتيات. يُذكر أن مفهوم “سرعة الصوت” يشير إلى المعدل الذي تنتقل به الموجات الصوتية عبر وسط مادي، كالهواء في هذه الحالة، ويتأثر هذا المعدل بعوامل مختلفة مثل درجة الحرارة وكثافة الوسط.

جي إل بيانكوني

في عام 1740، قدّم العالِم جي إل بيانكوني إسهامًا رائدًا في دراسة خصائص الصوت، حيث أثبتَ تجريبيًا العلاقة الطردية بين سرعة الصوت في الهواء وارتفاع درجة الحرارة، مُؤسسًا بذلك فهمًا أعمق لكيفية انتشار الموجات الصوتية في الأوساط الغازية. يُعتبر بيانكوني أول من أجرى تجربة دقيقة لحساب سرعة الصوت، حيث توصّل إلى قيمة تُقدّر بـ 332 مترًا في الثانية، وذلك خلال تجاربه التي أجراها في أكاديمية العلوم في باريس عام 1738.

تُظهر هذه القيمة، التي توصّل إليها بيانكوني، تطابقًا كبيرًا مع القيمة المعتمدة حاليًا لسرعة الصوت، والتي تساوي 331.45 مترًا في الثانية، ممّا يُؤكّد دقة منهجيته التجريبية وصدق النتائج التي توصّل إليها في دراسة سرعة الصوت وتأثرها بعامل درجة الحرارة.


اكتشاف المزيد من عالم المعلومات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

ما رأيك بهذه المقالة؟ كن أول من يعلق

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على موقعنا. تساعدنا هذه الملفات على تذكر إعداداتك وتقديم محتوى مخصص لك. يمكنك التحكم في ملفات تعريف الارتباط من خلال إعدادات المتصفح. لمزيد من المعلومات، يرجى الاطلاع على سياسة الخصوصية لدينا.
قبول
سياسة الخصوصية