تواجه فئة من الأطفال خلال مسيرتهم الدراسية تحديات جمة تُعرف بصعوبات الكتابة، وهي تُعدّ من أبرز العقبات التي تعترض طريقهم في اكتساب المعرفة وتطوير المهارات اللغوية. تتجلى هذه الصعوبات في أوجه متعددة تتجاوز مجرد الكتابة اليدوية، إذ تشمل صعوبات مرتبطة بالعمليات المعرفية الأساسية كصعوبة الفهم والاستيعاب، والإدراك الحسي، وعمليات التفكير المنطقي، بالإضافة إلى صعوبات في النطق والتعبير الشفهي.
وتتفاوت حدة هذه الصعوبات من طفل لآخر، حيث يواجه بعض الأطفال صعوبات بسيطة يمكن تذليلها بالدعم المناسب، بينما يعاني البعض الآخر من صعوبات أكثر تعقيدًا قد تتداخل مع حالات إعاقة جسدية أو عقلية أو نفسية، أو حتى مع وجود عيوب في السمع أو البصر.
ورغم تنوع أشكال صعوبات الكتابة وتفاوت مستوياتها، إلا أنه من المهم التأكيد على إمكانية التغلب عليها من خلال التشخيص الدقيق والتدخل التربوي والعلاجي المناسب، وتوفير بيئة تعليمية داعمة تراعي الفروق الفردية بين الأطفال.
أسباب صعوبات الكتابة
أسباب متعلّقة بالشخص نفسه:
هذه العوامل الذاتية تشمل وجود أنواع من العجز، سواء كان ذلك عجزًا حركيًا يؤثر على القدرة اليدوية والتحكم في حركة القلم وتشكيل الأحرف، أو عجزًا إدراكيًا يتعلق بفهم وتفسير المعلومات البصرية والسمعية ومعالجتها بشكل صحيح، مما ينعكس سلبًا على القدرة على تحويل الأفكار إلى رموز كتابية.
كما يُعدّ العجز في الذاكرة البصرية، وهي القدرة على تذكر وتخزين الصور والأشكال، من العوامل الهامة التي تؤثر على الكتابة، حيث يصعب على الفرد تذكر شكل الحروف والكلمات وكيفية كتابتها بشكل صحيح. بالإضافة إلى ذلك، يُعتبر استخدام اليد اليسرى في الكتابة أحيانًا من بين العوامل التي قد تسبب صعوبات في المراحل الأولى من تعلم الكتابة، خاصة في المجتمعات التي تعودت على الكتابة باليد اليمنى.
جانب آخر مهم يتعلق بالجانب النفسي والتحفيزي، فنقص الدافعية والإهمال وعدم الانتباه للتعليمات المعطاة أو لما يتم كتابته، يُعيق بشكل كبير عملية التعلم واكتساب مهارة الكتابة بالشكل الأمثل، حيث أن التركيز والانتباه والجدية في التعلم هي من أساسيات اكتساب أي مهارة جديدة، والكتابة ليست استثناءً. بالتالي، تتداخل هذه العوامل لتشكل تحديات كبيرة أمام بعض الأفراد في اكتساب وتطوير مهارات الكتابة لديهم.
أسباب متعلّقة بالبيئة المحيطة بالطفل:
والتي يُمثّلها بشكل أساسي كلّ من الأسرة والمدرسة، ففي نطاق الأسرة، يُعتبر إهمال الأهل للمشاكل الكتابية البسيطة التي قد تظهر على الطفل في مراحل مُبكّرة من النموّ من أهمّ المُسبّبات لتفاقم هذه الصعوبات وتراكمها مع مرور الوقت، حيثُ يُؤدّي عدم الانتباه لهذه المشاكل وعدم مُعالجتها في بدايتها إلى تعزيزها وتحويلها إلى صعوبات مُستعصية في مراحل لاحقة.
أمّا في نطاق المدرسة، فيلعب أسلوب التدريس المُتّبع دوراً حاسماً في ظهور صعوبات الكتابة، حيثُ يُعتبر التدريس القهري الذي يعتمد على الإملاء والتلقين دون فهم واستيعاب من قِبل الطالب من العوامل المُساهمة في ظهور هذه الصعوبات، كما أنّ عدم إشراف المُعلّم بشكل فعّال على طلّابه وعدم تصحيح أخطائهم الكتابية بشكل مُستمرّ يُؤدّي إلى تثبيت هذه الأخطاء وتحويلها إلى عادات كتابية خاطئة يصعب التخلّص منها فيما بعد، ممّا يُؤثّر سلباً على مُستوى الطالب في الكتابة ويُعيق تطوّره فيها.
الاضطرابات المسببة لصعوبات التعلم في الكتابة
- اضطرابات الإدراك البصري: حيث لا يستطيع الطفل تمييز الأشياء والصور التي يراها.
- اضطرابات علاقة المكان بالبصر: فلا يستطيع إدراك الوضع بالفراغ، وتجميع الأشياء إلى الكل.
- اضطرابات في القدرات الحركيّة المرتبطة بحاسّة البصر: فلا يمكنه تمييز العلاقات المكانيّة ومعالجتها.
- اضطرابات التناسق بين الحركة والبصر: كالرسم، أو إعادة كتابة ما قام بمعرفته وإدراكه مسبقاً.
أنواع صعوبات الكتابة
هناك عدة أنواع لصعوبات الكتابة، وهي كالآتي:
صعوبات التعلم النمائية
هي مجموعة من التحديات التي تؤثر على اكتساب المهارات الأكاديمية الأساسية، وتنشأ هذه الصعوبات نتيجة ضعف في العمليات المعرفية الضرورية للكتابة، مثل الإدراك والذاكرة والانتباه. فالكتابة ليست مجرد نسخ للحروف، بل هي عملية معقدة تتطلب تحليل الأصوات وتمييزها (المهارات السمعية)، وتخيل شكل الحروف وتذكرها (المهارات البصرية)، بالإضافة إلى القدرة على التركيز والانتباه أثناء الكتابة.
لذا، يُعتبر تطوير المهارات السمعية والبصرية أمرًا بالغ الأهمية للأطفال الذين يعانون من صعوبات في الكتابة، حيث يُساعدهم ذلك على تحسين قدرتهم على تعلّم الكتابة والتعبير عن أفكارهم بوضوح. وتجدر الإشارة إلى أن التدخل المبكر والبرامج التعليمية المُصممة خصيصًا لهذه الفئة من الأطفال يُمكن أن تُساهم بشكل كبير في تخطي هذه الصعوبات وتحقيق النجاح الأكاديمي.
صعوبات التعلم الأكاديمية
حيث تشمل صعوبات التعلم الأكاديمية صعوبة التهجئة والتعبير الكتابي، بالإضافة لصعوبات إجراء العمليات الحسابية، وصعوبات الكتابة، وهناك عدة جوانب لصعوبات التعلم الأكاديمية، وهي كالآتي:
- صعوبات القراءة: وهو عدم قدرة على القراءة، نتيجة انخفاض القدرة على اكتساب مهارات الكتابة والقراءة، مما يؤدي لمحاولة تعلم المادة عن طريق حفظها مع تجنب الكتابة والقراءة، ومن مظاهر صعوبات القراءة، انعدام الدقة في القراءة، صعوبة فهم المقروء، والقراءة ببطء، مع صعوبة بالكتابة العكسية للحروف والكلمات، وصعوبة الهجاء، وقد تكون نتيجة صعوبات الفهم، بحيث لا يستطيع الطالب فهم معنى الجمل والعبارات والكلمات.
- صعوبة الكتابة: هو عدم القدرة على الكتابة، أو التفكير أثناء الكتابة.
- اضطرابات الانتباه والتركيز: نتيجة تشتت الذهن، وزيادة الحساسية للمؤثرات الخارجية.
- صعوبة الحساب: نتيجة صعوبة فهم العلاقة بين الأرقام، بالإضافة لصعوبات الإدراك السمعي والبصري للأرقام، مع صعوبة إجراء العمليات الحسابية.
- صعوبة الحركة: نتيجة اضطراب التكامل الحسي، بالإضافة لعدم القدرة على التوفيق بين أداء النظر واليد، وعدم قدرة الطالب على التحكم في الحركات البسيطة كالتقطيع والكتابة.
خصائص الأطفال المصابين بصعوبات التعلم في الكتابة
يُظهر الأطفال الذين يعانون من صعوبات في الكتابة خصائص مميزة تظهر في كتاباتهم، حيث تتسم دفاترهم المدرسية بوجود أخطاء إملائية وهجائية متكررة، بالإضافة إلى مشاكل في تركيب الجمل واستخدام علامات الترقيم بشكل صحيح، كما يُلاحظ تشابك الأحرف وعدم وضوحها في الكتابة. ويكتب هؤلاء الأطفال بشكل عام بصورة غير واضحة وغير منظمة، مع احتمالية حذف بعض الأحرف من الكلمات أو إضافة أحرف لا صلة لها بالكلمة، مما يؤثر على سلامة النص المكتوب.
علاوة على ذلك، يميلون إلى كتابة كل ما يخطر في أذهانهم دون وجود رابط منطقي بين المواضيع، فتكون الجمل قصيرة ومفككة وغير مترابطة، ما يُفقد النص معناه وجماليته. ومن الخصائص الهامة أيضًا عدم اهتمامهم بتصحيح الأخطاء وتكرارها حتى بعد تصحيحها من قبل المعلمين، مما يُشير إلى صعوبة في استيعاب القواعد وتطبيقها.
ويُلاحظ أيضًا قرب أصابعهم الشديد من رأس القلم أثناء الكتابة، ما قد يُعيق حركتهم ويؤثر على جودة الخط. هذه الخصائص تُشير إلى وجود صعوبات تعلم في الكتابة تتطلب تدخلًا تربويًا متخصصًا.
التقييم والعلاج
يُعتبر تقييم مهارات الكتابة لدى الطفل عملية شاملة تعتمد على الملاحظة الدقيقة لسلوكه أثناء الكتابة، حيث يشمل التقييم وضعية جلوسه، طريقة إمساكه بالقلم، وضعية ورقة الكتابة، بالإضافة إلى تحليل ما يكتبه فعليًا من حيث شكل الحروف ووضوحها وانتظامها.
وبناءً على هذا التقييم الشامل، يتم تحديد المشكلة بدقة لوضع الخطة العلاجية المناسبة. يرتكز علاج صعوبات الكتابة على تعليم الطفل أساسيات الكتابة بشكل تدريجي ومنهجي، مع التركيز على أشكال الحروف وكيفية كتابتها بشكل صحيح. من المهم الإشارة إلى وجود مراكز متخصصة في هذا المجال تقدم دعمًا قيّمًا للأطفال الذين يعانون من صعوبات في الكتابة، حيث تعتمد هذه المراكز أساليب علاجية متنوعة ومصممة خصيصًا لتلبية احتياجات كل طفل على حدة.
لذا، يُشدد على أهمية عدم إهمال هذه المشكلة في مراحلها الأولى، حيث أن عدم علاجها قد يترتب عليه آثار سلبية ترافق الطفل طوال حياته، وتتسبب له بمشاكل نفسية عديدة، مثل انعدام الثقة بالنفس، وصعوبة التقدم في المراحل الدراسية المختلفة، ما قد يؤثر سلبًا على مستقبله وفرص نجاحه.
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.