كثيرًا ما يثور التساؤل حول الفرق بين المسجد والجامع، فكلاهما يُعدّ من بيوت الله المباركة وأماكن العبادة المقدّسة التي أذن الله للمسلمين ببنائها لتكون ملاذًا آمنًا وحصنًا منيعًا يلجؤون إليه لإقامة شعائرهم الدينية وأداء الصلوات الخمس المفروضة، الركن الثاني من أركان الإسلام، حيث تتنزل الرحمات وتعمّ البركات وتحفّ الملائكة بأجنحتها، ويجتمع فيها المسلمون على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وطبقاتهم سواسيةً لا فرق بين قويّ وضعيف أو أسود وأبيض، بل يتوحّدون في عبادة الله وطاعته.
فبصلاح المساجد والجوامع ونشاطها يصلح المجتمع ويزدهر، وبإهمالها يضعف وينحدر، هذا بالإضافة إلى أغراض أخرى متعددة تجمع بين المسجد والجامع كإحياء المناسبات الدينية الهامة كالإسراء والمعراج وإقامة صلاة العيدين (عيد الفطر وعيد الأضحى).
إلا أنه على الرغم من هذا التشابه الكبير بين المسجد والجامع في الغاية الأساسية وهي إقامة الصلاة وكونهما بيوتًا لله، فإنه توجد بينهما فروقات جوهرية واختلافات دقيقة سواء من حيث العبادة أو الأحكام الشرعية المتعلقة بكل منهما أو حتى من ناحية العمارة والتصميم، وهو ما يستدعي البحث والتفصيل لتوضيح هذه الفروقات بشكل أعمق.
الفرق بين المسجد والجامع
يُعدّ المسجد مكانًا مُقدّسًا مُخصّصًا للعبادة، يشمل ذلك أداء الصلوات الخمس جماعةً، وتلاوة القرآن الكريم، وذكر الله، والدعاء، حيث يُرفع فيه الأذان إعلامًا بدخول وقت الصلاة، ويُبنى مُتّجهًا نحو القبلة، ويشتمل على محراب يُحدّد اتجاه القبلة ومئذنة يُرفع منها الأذان، ويحظى المسجد بحرمةٍ عظيمةٍ تُوجب تنزيهه عن كل ما يُنافي قُدسيّته، كاللهو واللعب والانشغال بأمور الدنيا الفانية والبيع والشراء وإنشاد الضالة، كما يُطهّر عن كل ما يُدنّسه من الأنجاس والأقذار.
أمّا المسجد الجامع، فيُمثّل نوعًا خاصًا من المساجد، حيث تُقام فيه صلاة الجمعة الجامعة وصلوات العيدين، ويُعدّ مكانًا مُفضّلًا للاعتكاف، حيث لا يَصحّ الاعتكاف شرعًا إلا في مسجد جامع، كما يُمكن أن يُستخدم كمكانٍ لتنفيذ الحدود الشرعية، ويُمثّل المسجد الجامع أيضًا مركزًا اجتماعيًا هامًا يلتقي فيه الناس ويجتمعون، ويتداولون فيه قضاياهم ومصالحهم المُشتركة، ويتبادلون الآراء والمشورة في مختلف شؤون حياتهم العامة وغيرها، ممّا يجعله مؤسسة دينية واجتماعية متكاملة تخدم المجتمع.
الحكم الشرعي للصلاة في المسجد أو الجامع
من المنظور الشرعي في الإسلام، لا يوجد تمييز أو فرق في الحكم بين أداء الصلاة في المسجد الذي تُقام فيه صلاة الجمعة، والذي يُطلق عليه الجامع، وبين أدائها في مسجد آخر لا تُقام فيه هذه الصلاة الأسبوعية، فكلاهما سواء من حيث الأجر والثواب وقبول العبادة عند الله تعالى، وسواءً صلى المسلم في هذا أو ذاك.
فإن السنة النبوية الشريفة تحثّه على أداء ركعتين تسميان تحية المسجد عند دخوله وقبل الجلوس فيه، وذلك تأسياً بقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين”، فتُعدّ صلاة تحية المسجد من السنن المؤكدة التي يُستحبّ للمسلم المحافظة عليها عند دخول أي مسجد، سواءً كان جامعاً تُقام فيه الجمعة أو مسجداً تُقام فيه الصلوات الخمس فقط.
المساجد الثلاثة في الإسلام
تُعدّ المساجد في الإسلام بيوت الله المُباركة التي أذن سبحانه وتعالى أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، كما جاء في قوله تعالى في سورة النور: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}، وتتشارك جميعها في شرف كونها أماكن عبادة وتوحيد لله عز وجل، إلا أن مكانة هذه المساجد وفضلها يتفاوت بحسب عوامل مختلفة كقِدَمِها ومساحتها وأهميتها الدينية والتاريخية.
وقد اختصّ الله تعالى ثلاثة مساجد بمكانة عظيمة وفضل كبير على سائر المساجد، حيث جعلها محطّاً للرحال ومضاعفة للأجر والثواب، فقد ورد في صحيح مسلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هذا، وَمَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأقْصَى”، ممّا يبيّن فضل هذه المساجد الثلاثة وأهميتها في الإسلام.
وتتجلّى مضاعفة الأجر في هذه المساجد في أنّ الصلاة في المسجد الحرام بمكة المكرمة تُعادل مئة ألف صلاة فيما سواه من المساجد، بينما تُعادل الصلاة في المسجد النبوي بالمدينة المنورة ألف صلاة، كما ورد في الحديث الذي رواه السيوطي عن النبي صلى الله عليه وسلم: “صلاةٌ في مسجِدِي هذا أفْضَلُ من ألْفِ صلاةٍ فِيما سِواهُ من المساجِدِ إلا المسْجِدَ الحرامَ، و صلاةٌ في المسْجِدِ الحرامِ أفضلُ من صلاةٍ في مَسْجِدِي هذا بِمِئةِ صلاة”.
أمّا بالنسبة للمسجد الأقصى في القدس الشريف، فإنّ أصحّ الأقوال تشير إلى أنّ الصلاة فيه تُعادل مئتين وخمسين صلاة، استناداً إلى قوله صلى الله عليه وسلم: “صلاةٌ في مسجدي هذا أفضلُ من أربعِ صلواتٍ فيه ولَنِعْمَ الْمُصَلَّى هو…”، ممّا يؤكّد على مكانة هذه المساجد الثلاثة وفضلها في الدين الإسلامي كأفضل وأجلّ أماكن العبادة.
اكتشاف المزيد من عالم المعلومات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.